{هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} أي: في الكتب السابقة، مذكورون ومشهورون، {وَفِي هَذَا} أي: هذا الكتاب، وهذا الشرع. أي: ما زال هذا الاسم لكم قديما وحديثا، {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ} بأعمالكم خيرها وشرها {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} لكونكم خير أمة أخرجت للناس، أمة وسطا عدلا خيارا، تشهدون للرسل أنهم بلغوا أممهم، وتشهدون على الأمم أن رسلهم بلغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} بأركانها وشروطها وحدودها، وجميع لوازمها، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} المفروضة لمستحقيها شكرا لله على ما أولاكم، {وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} أي: امتنعوا به وتوكلوا عليه في ذلك، ولا تتكلوا على حولكم وقوتكم، {هُوَ مَوْلاكُمْ} الذي يتولى أموركم، فيدبركم بحسن تدبيره، ويصرفكم على أحسن تقديره، {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} أي: نعم المولى لمن تولاه، فحصل له مطلوبه {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} لمن استنصره فدفع عنه المكروه. تفسير السعدي - (ج 1 / ص 546)
وفي الظلال:
وفي هاتين الآيتين يجمع المنهاج الذي رسمه الله لهذه الأمة، ويلخص تكاليفها التي ناطها بها، ويقرر مكانها الذي قدره لها، ويثبت جذورها في الماضي والحاضر والمستقبل، متى استقامت على النهج الذي أراده لها الله.
إنه يبدأ بأمر الذين آمنوا بالركوع والسجود. وهما ركنا الصلاة البارزان. ويكني عن الصلاة بالركوع والسجود ليمنحها صورة بارزة، وحركة ظاهرة في التعبير، ترسمها مشهدا شاخصا، وهيئة منظورة. لأن التعبير على هذا النحو أوقع أثرا وأقوى استجاشة للشعور.
ويثني بالأمر العام بالعبادة. وهي أشمل من الصلاة. فعبادة الله تشمل الفرائض كلها وتزيد عليها كذلك كل عمل وكل حركة وكل خالجة يتوجه بها الفرد إلى الله. فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة متى توجه القلب به إلى الله. حتى لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة صغيرة تصبح عبادات تكتب له بها حسنات. وما عليه إلا أن يذكر الله الذي أنعم بها، وينوي بها أن يتقوى على طاعته وعبادته فإذا هي عبادات وحسنات، ولم يتحول في طبيعتها شيء، ولكن تحول القصد منها والاتجاه!
ويختم بفعل الخير عامة، في التعامل مع الناس بعد التعامل مع الله بالصلاة والعبادة. .
يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح. فهذه هي أسباب الفلاح. . العبادة تصلها بالله فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق واصل. وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة، الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة الاتجاه.
فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة بالله واستقامة الحياة، فاستقام ضميرها واستقامت حياتها نهضت بالتبعة الشاقة: (وجاهدوا في الله حق جهاده) . . وهو تعبير شامل جامح دقيق، يصور تكليفا ضخما، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد. .