فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 1257

وهذا التكرار في الحديث عن منع الفتنة، بعد تفظيعها واعتبارها أشد من القتل. . هذا التكرار يوحي بأهمية الأمر في اعتبار الإسلام؛ وينشىء مبدأ عظيمًا يعني في حقيقته ميلادًا جديدًا للإنسان على يد الإسلام. ميلادًا تتقرر فيه قيمة الإنسان بقيمة عقيدته، وتوضع حياته في كفة وعقيدته في كفة، فترجح كفة العقيدة. كذلك يتقرر في هذا المبدأ من هم أعداء «الإنسان» . . إنهم أولئك الذين يفتنون مؤمنًا عن دينه، ويؤذون مسلمًا بسبب إسلامه. أولئك الذين يحرمون البشرية أكبر عنصر للخير ويحولون بينها وبين منهج الله. . وهؤلاء على الجماعة المسلمة أن تقاتلهم، وأن تقتلهم حيث وجدتهم {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} . .

وهذا المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام في أوائل ما نزل من القرآن عن القتال ما يزال قائمًا. وما تزال العقيدة تواجه من يعتدون عليها وعلى أهلها في شتى الصور. . وما يزال الأذي والفتنة تلم بالمؤمنين أفرادًا وجماعات وشعوبًا كاملة في بعض الأحيان. . وكل من يتعرض للفتنة في دينه والأذى في عقيدته في أية صورة من الصور، وفي أي شكل من الأشكال، مفروض عليه أن يقاتل وأن يقتل؛ وأن يحقق المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام، فكان ميلادًا جديدًا للإنسان. .

فإذا انتهى الظالمون عن ظلمهم؛ وكفوا عن الحيلولة بين الناس وربهم؛ فلا عدوان عليهم - أي لا مناجزة لهم - لأن الجهاد إنما يوجه إلى الظلم والظالمين: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} .

ويسمى دفع الظالمين ومناجزتهم عدوانًا من باب المشاكلة اللفظية. وإلا فهو العدل والقسط ودفع العدوان عن المظلومين. في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 165)

وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (39) سورة الأنفال

يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ حَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَطِيعُ فِتْنَةَ المُؤْمِنِينَ، عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذَابِ وَالإِيذَاءِ وَالتَّهْدِيدِ، وَحَتَّى يَكُونَ الدَّينُ كُلُّهُ للهِ. فَإذا انْتَهَى المُشْرِكُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَكَفُّوا عَنْهُ (وَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا بِوَاطِنَهُمْ) فَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَكِلُوا بِوَاطِنَهُمْ إلَى اللهِ، فَهُوَ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.

أما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين، فقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: شرك وصد عن سبيل اللّه، ويذعنوا لأحكام الإسلام، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب عن دين اللّه الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان.

{فَإِنِ انْتَهَوْا} عن ما هم عليه من الظلم {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا تخفى عليه منهم خافية.

{وَإِنْ تَوَلَّوْا} عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى} الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية. {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفجار، وتكالب الأشرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت