ولقد يقع به الأذى لامتحان صبره، ويبطيء عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون.
هذا هو دستور الدعوة إلى الله كما رسمه الله. والنصر مرهون بإتباعه كما وعد الله. ومن أصدق من الله ?. في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 499)
وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (64) سورة آل عمران
قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: أنَا وَأنْتُمْ نَعْتَقِدُ أنَّ العَالَمَ مِنْ صُنْعِ إلهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ خَالِقُهُ وَمدَبِّرُهُ، وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الأنْبِياءَ لِيُبَلِّغُوا عَنْهُ مَا يُرِيدُ، فَتَعَالوا إلى عِبَارَةٍ، أوْ جُمْلَةِ عَدْلٍ وَإنْصَافٍ (سَوَاءٍ) ، نَسْتَوِي نَحْنُ وَإيَّاكُمْ فِيها، وَاتَّفَقَتْ عَلَيها جَمِيعُ الرُّسُلِ وَالكُتُبِ التِي أنْزِلَتْ إلَيْهِمْ، وَهِيَ ألاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَحْدَهُ، لَهُ السُّلْطَةُ المُطْلَقَةُ فِي التَّشْرِيعْ وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، وَلاَ نُشْرِك بِهِ شَيْئًا (لاَ وَثَنًا وَلا صَنَمًا وَلاَ صَلِيبًا وَلاَ طَاغُوتًا) وَهَذِهِ هِيَ دَعْوَةُ جَميعِ الرُّسُلِ، وَلا يُطِيع بَعْضُنا بَعْضًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ. فَإنْ رَفَضُوا الاسْتِجَابَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَتَوَلَّوْا عَنْهَا، وَأبَوْا إلاًّ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللهِ، وَاتَّخَذَوا الشُّرَكَاءَ وَالوُسَطَاءَ وَالأرْبَابَ الذِينَ يُحَلِّلُونَ وَيُحَرِّمُونَ، فَقُولُوا لَهُمْ - أنْتَ وَالمُسْلِمُونَ مَعَكَ: اشْهَدُوا عَلينَا بِأنَّنَا مُقِيمُونَ عَلَى دِينِ الإسْلاَمِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ لَنَا، وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ لَهُ لاَ نَعْبُدُ مَعَ اللهِ أحدًا غَيْرَهُ.
وقال ابن عاشور:
رجُوع إلى المجادلة، بعد انقطاعها بالدعاء إلى المباهلة، بعَثَ عليه الحرصُ على إيمانهم، وإشارة إلى شيءٍ من زيغ أهل الكتابين عن حقيقة إسلاممِ الوجه لله كما تقدم بيانه. وقد جيء في هذه المجادلة بحجة لا يجدون عنها موئلًا وهو دعوتهم إلى تخصيص الله بالعبادة ونبذ عقيدة إشراك غيره في الإلهية. فجملة {قل يا أهل الكتاب} بمنزلة التأكيد لجملة {فقل تعالوا ندع أبناءنا} [آل عمران: 61] لأنّ مدلول الأولى احتجاج عليهم بضعف ثقتهم بأحقّية اعتقادهم. ومدلول هذه احتجاج عليهم بصحة عقيدة الإسلام، ولذلك لم تعطف هذه الجملة. والمراد بأهل الكتاب هنا النصارى: لأنهم هم الذين اتخذوا المخلوق ربًّا وعبدوه مع الله.
وتعالوا هنا مستعملة في طلب الاجتماع على كلمة سواء وهو تمثيل: جعلت الكلمة المجتمع عليها بشبه المكان المراد الاجتماع عنده. وتقدم الكلام على (تعالوا) قريبًا.
والكلمة هنا أطلقت على الكلام الوجيز كما في قوله تعالى: {كلا إنها كلمة هو قائلها} [المؤمنون: 100] .