فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 1257

يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) سورة المائدة

يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى التَّوْرَاةَ، فَيَقُولُ: إنَّهُ أَنْزَلَهَا وَفِيهَا هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا الأَنْبِيَاءَ الذِينَ أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِرَبِّهِمْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (وَهُمْ مُوسَى وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بَيْنَ اليَهُودِ لاَ يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمِهَا، وَلاَ يُبَدِّلُونَها وَلاَ يُحَرِّفُونَها. وَيَحْكُمُ بِهَا العُلَمَاءُ العُبَّادُ (الرَّبَّانِيُّونَ) ، وَالعُلَمَاءُ (الأَحْبَارُ) بِمَا اسْتَوْدَعُوا (اسْتُحْفِظُوا) مِنْ كِتَابِ اللهِ الذِي أُمِرُوا بِأنْ يَحْفَظُوهُ مِنَ التَّبْدِيلِ، وَبِأنْ يُظْهِرُوهُ، وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهِ، ثُمَّ خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى رُؤَسَاءَ اليَهُودِ الذِينَ كَانُوا فِي زَمَنْ التَّنْزِيلِ فَقَالَ: كَيْفَ لاَ يَخَافُونَ اللهَ فِي الكِتْمَانِ وَالتَّبْدِيلِ، بَعْدَ أنْ قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ سِيرَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَرْعَوُونَ عَنْ غَيِّهِمْ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَإِذَا كَانَ الحَالُ كَذَلِكَ أيُّهَا الأَحْبَارُ، وَلاَ شَكَّ فِي أنَّكُمْ لا تُنْكِرُونَهُ، فَلا تَخْشَوا النَّاسَ فَتَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الكِتَابِ، خَشْيَةَ النَّاسِ، أَوْ طَمَعًا فِي مَنْفَعَةٍ عَاجِلَةٍ مِنْهُ، وَأخْشَوْنِي أنَا وَاقْتَدُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ وَالأَحْبَارِ، وَاحْفَظُوا التَّوْرَاةَ، وَلا تَعْدِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّفْعَ وَالضَّرَرَ بِيَدِ اللهِ، وَلاَ تَتْرُكُوا بَيَانَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ لِلْنَّاسِ، وَالعَمَلِ بِهَا، لِقَاءَ مَنْفَعَةٍ دَنْيَوِيَّةٍ قَلِيلَةٍ تَاخُذُونَها مِنَ النَّاسِ كَرَشْوَةٍ أوْ جَاهٍ.

وَكُلُّ مَنْ يَرْغَبُ عَنِ الحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ شَرْعٍ، وَيُخْفِيهِ وَيَحْكُمُ بِغَيْرِهِ (كَحُكْمِ اليَهُودِ فِي الزَّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ بِالتَّحْمِيمِ وَالجَلْدِ، وَكِتْمَانِ الرَّجْمِ، وَقَضَائِهِمْ فِي بَعْضِ قَتْلاَهِمْ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِنِصْفِ دِيَةٍ، مَعْ أنَّ اللهَ قَدْ سَوَّى بَيْنَ الجَمِيعِ فِي الحُكْمِ) ، فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ الذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ الذِي كَانَ عَلَيهِم كَشْفُهُ وَتَبْيِينُهُ لِلنَّاسِ.

جَاءَتِ التَّوْرَاةُ بِشِرْعَةِ القِصَاصِ: فَالنَّفْسُ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ، وَلَكِنَّ اليَهُودَ يُخَالِفُونَ هَذا الحُكْمَ عَمْدًا وَعِنَادًا: فَقَدْ كَانَتْ قَبِيلَتَا بَنِي النَّضِيرَ وَبَنِي قُرَيْظَةَ تَتَحَارَبَانِ وَتَتَقَاتَلاَنِ، وَكَانَتْ قَبِيْلَةَ بَنِي النَّضِيرِ قَوِيَّةً عَزِيزَةَ الجَانِبِ، وَكَانَ بَنُو قُرَيْظَةَ ضُعَفَاءَ أَذِلاَّءَ، فَكَانَ النَّضِيرِيُّ إذَا قَتَلَ قُرَظِّيًا، لَمْ يَكُنْ لِيَقْتُلَ بِهِ، بَلْ يُعْدِلُ فِيهِ إلى الدِّيَةِ. أمَّا إذَا قَتَلَ القُرَظِيُّ نَضيرِيًّا، فَكَانَ يُقْتَلُ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ.

كَمَا خَالَفُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ فِي تَرْكِ رَجْمِ الزَّانِي المُحْصَنِ، كَمَا أمَرَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، وَعَدَلُوا عَنْهُ إلى الجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ. وَقَضَتِ التَّوْرَاةُ بِأنْ تُفْقَأ العَيْنُ بِالعَيْنِ، وَبِأنْ يُجْدَعَ الأَنْفُ بِالأَنْفِ، وَأنْ تُصْلَمَ الأذْنُ بِالأذْنِ، وَأنْ تُنزعَ السِّنُّ بِالسِّنِّ.

أمَّا الجِرَاحُ فَيَتِمُّ فِيهَا القِصَاصُ إذا كَانَتْ فِي مِفْصَلٍ، فَقُتْطَعُ اليَدُ وَالرِّجْلُ وَالكَفُّ وَالقَدَمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أمًّا إذَا كَانَ الجُرْحُ فِي عَظْمٍ وَلَيْسَ فِي مِفْصَلٍ، فَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّطْبِيقِ.

فَمَنْ عَفَا وَتَصَدَّقَ بِحَقّهِ فِي القِصَاصِ عَلَى الجَانِي، كَانَ التَّصَدُّقُ كَفَّارَةً لَهُ يَمْحُو اللهُ بِهَا قَدْرًا مِنْ ذُنُوبِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت