فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 1257

إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة. والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكم عن مواضعه. . وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد.

وبعد بيان هذا الأصل القاعدي في دين الله كله، يعود السياق، لعرض نماذج من شريعة التوراة التي أنزلها الله ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا - بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء: (وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص) . .

وقد استبقيت هذه الأحكام التي نزلت بها التوراة في شريعة الإسلام، وأصبحت جزءا من شريعة المسلمين، التي جاءت لتكون شريعة البشرية كلها إلى آخر الزمان. وإن كانت لا تطبق إلا في دار الإسلام، لاعتبارات عملية بحتة؛ حيث لا تملك السلطة المسلمة أن تطبقها فيما وراء حدود دار الإسلام. وحيثما كان ذلك في استطاعتها فهي مكلفة تنفيذها وتطبيقها، بحكم أن هذه الشريعة عامة للناس كافة، للأزمان كافة، كما أرادها الله.

وقد أضيف إليها في الإسلام حكم آخر في قوله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) . .

ولم يكن ذلك في شريعة التوارة. إذ كان القصاص حتما؛ لا تنازل فيه، ولا تصدق به، ومن ثم فلا كفارة. . ويحسن أن نقول كلمة عن عقوبات القصاص هذه على قدر السياق في الظلال.

أول ما تقرره شريعة الله في القصاص، هو مبدأ المساواة. . المساواة في الدماء والمساواة في العقوبة. . ولم تكن شريعة أخرى - غير شريعة الله - تعترف بالمساواة بين النفوس، فتقتص للنفس بالنفس، وتقتص للجوارح بمثلها، على اختلاف المقامات والطبقات والأنساب والدماء والأجناس. .

النفس بالنفس. والعين بالعين. والأنف بالأنف. والأذن بالأذن. والسن بالسن. والجروح قصاص. . لا تمييز. ولا عنصرية. ولا طبقية. ولا حاكم. ولا محكوم. . كلهم سواء أمام شريعة الله. فكلهم من نفس واحدة في خلقة الله.

إن هذا المبدأ العظيم الذي جاءت به شريعة الله هو الإعلان الحقيقي الكامل لميلاد"الإنسان"الإنسان الذي يستمتع كل فرد فيه بحق المساواة. . أولا في التحاكم إلى شريعة واحدة وقضاء واحد. وثانيا في المقاصة على أساس واحد وقيمة واحدة.

وهو أول إعلان. . وقد تخلفت شرائع البشر الوضعية عشرات من القرون حتى ارتقت إلى بعض مستواه من ناحية النظريات القانونية، وإن ظلت دون هذا المستوى من ناحية التطبيق العملي.

ولقد انجرف اليهود الذين ورد هذا المبدأ العظيم في كتابهم - التوراة - عنه؛ لا فيما بينهم وبين الناس فحسب، حيث كانوا يقولون:"ليس علينا في الآميين سبيل بل فيما بينهم هم أنفسهم. على نحو ما رأينا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت