فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالامَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى عَدَمِ كُفْرِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَبَعْضُ أَهْل الْحَدِيثِ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَتُطَبَّقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ.
قَال الْمِرْدَاوِيُّ فِي الانْصَافِ - وَهُوَ الصَّوَابُ - وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَنَصَّ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّرَ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الارْبَعَةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ (1) .
تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ:
13 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ أَحَدَ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَتَوَقَّفَ الامَامُ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَال: يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِلاَّ فُسِّقَ. وَنَقَل ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ فِيمَنْ شَتَمَ صَحَابِيًّا قَوْلُهُ: الْقَتْل أَجْبُنُ عَنْهُ، وَيُضْرَبُ، مَا أَرَاهُ عَلَى الاسْلاَمِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي تَكْفِيرِ
(1) حاشية ابن عابدين 3/ 293، 294، وحاشية الدسوقي 4/ 312، والفواكه الدواني 2/ 278، ونهاية المحتاج 7/ 396، ومغني المحتاج 4/ 136، وروضة الطالبين 10/ 64، 70، وكشاف القناع 6/ 161، 170، 172، والإنصاف 10/ 323، وشرح العقائد للتفتازاني 190.
مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمِمَّنْ قَال بِتَكْفِيرِهِ كَذَلِكَ الدَّبُوسِيُّ، وَأَبُو اللَّيْثِ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الاشْبَاهِ.
قَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ فِي الافْتَاءِ وَالْقَضَاءِ، رِعَايَةً لِجَانِبِ حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا خِلاَفُ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ (1) .
تَكْفِيرُ مُنْكِرِ الاجْمَاعِ:
14 -ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ حُكْمًا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الامَّةُ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الامَّةُ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، كَوُجُوبِ إِعْطَاءِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الاِبْنِ مَعَ وُجُودِ الْبِنْتِ فَلاَ تَكْفِيرَ لِمُنْكِرِهِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَشْرِطُوا لِلتَّكْفِيرِ سِوَى قَطْعِيَّةِ الثُّبُوتِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا بِتَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ اسْتِحْقَاقَ بِنْتِ الاِبْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِهِمْ (2) .