فَأَجَابَ:
نَعَمْ، يَجُوزُ؛ بَلْ يَجِبُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنْ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ مِثْلُ الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ إلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَوْ عَنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ لَا يَتَحَاكَمُونَ بَيْنَهُمْ بِالشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ وَكَمَا قَاتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَوَارِجَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . وَالرِّبَا آخِرُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا. وَيُدْعَوْنَ قَبْلَ الْقِتَالِ إلَى الْتِزَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ الْتَزَمُوهَا اسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكْتَفِ مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ. كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ بِمَنْ قَاتَلَهُمْ بَعْدَ إنْ أَذَلَّهُمْ وَقَالَ: اخْتَارُوا؛ إمَّا الْحَرْبُ الْمُجَلِّيَةُ وَإِمَّا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ وَقَالَ: أَنَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالُوا: هَذِهِ الْحَرْبُ الْمُجَلِّيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ؟ قَالَ: تَشْهَدُونَ أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ وَنَنْزِعُ مِنْكُمْ الْكُرَاعَ - يَعْنِي الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ - حَتَّى يَرَى خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ أَمْرًا بَعْدُ. فَهَكَذَا الْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ إذَا أَظْهَرُوا الطَّاعَةَ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ وَيُقِيمُ بِهِمْ الصَّلَوَاتِ وَمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَإِمَّا أَنْ يَسْتَخْدِمَ بَعْضُ الْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ فِي جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْعَلُهُمْ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِمَّا بِأَنْ يَنْزِعَ مِنْهُمْ السِّلَاحَ الَّذِي يُقَاتِلُونَ بِهِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ. وَإِمَّا أَنَّهُمْ يَضَعُوهُ حَتَّى يَسْتَقِيمُوا؛ وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمْ مِنْ الْتِزَامِ الشَّرِيعَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مجموع الفتاوى لابن تيمية - (ج 28 / ص 556 - 558)
الْعُقُوبَاتُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عُقُوبَةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاحِدِ وَالْعَدَدِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: عِقَابُ الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ كَاَلَّتِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهَا إلَّا بِقِتَالِ. فَأَصْلُ هَذَا هُوَ جِهَادُ الْكُفَّارِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكُلُّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُ {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} . وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا بَعَثَ نَبِيَّهُ وَأَمَرَهُ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إلَى دِينِهِ: لَمْ يَاذَنْ لَهُ فِي قَتْلِ أَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا قِتَالِهِ حَتَّى هَاجَرَ إلَى