تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وقوله تعالى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي} إلَى قوله تعالى {وَهُمْ فَرِحُونَ} . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ - وَهَذَا لَا يَنْسَنِدُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ أَخْبَارِ الْمَغَازِي، وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ يُقَالُ: هَذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَا شَكٍّ. وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ كَفَرَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ عَصَى و (. . .) وَأَذْنَبَ، وَبَلَى {إنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ بِهَذَا النَّصِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ. وَأَمَّا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ إنْ أَصَابَتْ رَسُولَهُ - عليه السلام - سَيِّئَةٌ وَمُصِيبَةٌ تَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ، أَوْ أَنَّهُ إنْ أَصَابَتْهُ حَسَنَةٌ سَاءَتْهُمْ، فَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ: ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي، كَانَ مِنْهُمْ، وَلَا فِيهَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ عليه السلام عَرَفَهُمْ وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ تَعَالَى {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} إلَى قَوْلِهِ {يَفْرَقُونَ} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَكُفَّارٌ بِلَا شَكٍّ، مُظْهِرُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ - عليه السلام - عَرَفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ لِيُمَيِّزُوهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَلَيْسَ فِي قوله تعالى {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نِفَاقَهُمْ، بَلْ قَدْ كَانَ لِلْفُضَلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ - رضي الله عنهم - الْأَمْوَالُ الْوَاسِعَةُ، وَالْأَوْلَادُ النُّجَبَاءُ الْكَثِيرُ: كَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَغَيْرِهِمَا - فَهَذِهِ صِفَةٌ عَامَّةٌ يَدْخُلُ فِيهَا الْفَاضِلُ الصَّادِقُ، وَالْمُنَافِقُ، فَأَمَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ أَنْ لَا تُعْجِبَهُ أَمْوَالَهُمْ، وَلَا أَوْلَادَهُمْ، عُمُومًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ وَيَمُوتُوا كُفَّارًا وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ تَعَالَى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُك فِي الصَّدَقَاتِ} إلَى قوله تعالى {رَاغِبُونَ} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا لَا يَدُلُّ أَلْبَتَّةَ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِدَلِيلٍ عَلَى كُفْرِ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَلَكِنَّهَا مَعْصِيَةٌ بِلَا شَكٍّ. وَقَالَ تَعَالَى {وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} إلَى قوله تعالى {ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} . قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى كُفْرِ مَنْ قَالَ حِينَئِذٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُذُنٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَافِرًا مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَآذَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَنُزُولِ الْقُرْآنِ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَنَّ مَنْ حَادَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم فَلَهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا. فَقَدْ جَاءَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك لَأَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَّا الْآنَ فَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَصِحُّ أَنَّ أَحَدًا عَادَ إلَى أَذَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمُحَادَّتِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالنَّازِلِ فِي ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا كَانَ كَافِرًا. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ امْرَأً لَوْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ الْخَمْرَ - حَلَالٌ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ صَلَاةٌ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغْهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِلَا خِلَافٍ يُعْتَدُّ بِهِ، حَتَّى إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَتَمَادَى حِينَئِذٍ بِإِجْمَاعِ الْأَمَةِ فَهُوَ كَافِرٌ. وَيُبَيَّنُ هَذَا قوله تعالى فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ {يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} فَقَدْ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَإِرْضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَحَقُّ عَلَيْهِمْ مِنْ إرْضَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَصَحَّ هَذَا بِيَقِينٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى