فهرس الكتاب

الصفحة 548 من 1257

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دَيْنَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ مَعَ إظْهَارِهِمْ الْإِيمَانَ بِالنُّشُورِ وَالْبَعْثِ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْرِي حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ مِنْ تَخْلِيدِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي النَّارِ، وَتَخْلِيدِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمُرَادُهُ حُكْمُ يَوْمِ الْآخِرِ، وَقَضَاؤُهُ فِيهِ، كَمَا تَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ، وَالْمُرَادُ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقِيلَ: فِيهِ إنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يُقِرُّ بِهِ فِي عِظَمِ الْجُرْمِ، كَمَا إنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِكُفْرِهِمْ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ. وَقِيلَ: أَيْضًا: لَمَّا كَانَ إقْرَارُهُمْ عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيمَانًا، وَأَكْثَرُهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وقوله تعالى: {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} فَإِنَّ دِينَ الْحَقِّ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} وَهُوَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ، وَالْعَمَلُ بِهِ، وَالدِّينُ يَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الطَّاعَةُ، وَمِنْهَا الْقَهْرُ، وَمِنْهَا الْجَزَاءُ؛ قَالَ الْأَعْشَى: هُوَ دَانَ الرَّبَابَ اُذْكُرْ هُوَ الدِّي نُ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ يَعْنِي: قَهَرَ الرَّبَابَ إذْ كَرِهُوا طَاعَتَهُ وَأَبَوْا الِانْقِيَادَ لَهُ. وقوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ، وَمِنْهُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. مَطْلَبٌ: فِي تَفْسِيرِ دِينِ الْحَقِّ وَدِينُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى غَيْرُ دِينِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُنْقَادِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَلَا طَائِعِينَ لَهُ لِجُحُودِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم. فَإِنْ قِيلَ: فَهُمْ يَدِينُونَ بِدِينِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَيَعْتَرِفُونَ بِهِ مُنْقَادِينَ لَهُ. قِيلَ: لَهُ: فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ذُكِرَ نَبِيُّنَا، وَأُمِرْنَا بِالْإِيمَانِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِ، وَهُمْ غَيْرُ عَامِلِينَ بِذَلِكَ بَلْ تَارِكُونَ لَهُ، فَهُمْ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ دِينَ الْحَقِّ، وَأَيْضًا فَإِنَّ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَدْ نُسِخَتْ، وَالْعَمَلُ بِهَا بَعْدَ النَّسْخِ ضَلَالٌ فَلَيْسَ هُوَ إذًا دِينَ الْحَقِّ. وَأَيْضًا فَهُمْ قَدْ غَيَّرُوا الْمَعَانِيَ وَحَرَّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا، وَأَزَالُوهَا إلَى مَا تَهْوَاهُ أَنْفُسُهُمْ دُونَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ كُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُمْ غَيْرُ دَائِنِينَ دِينَ الْحَقِّ. قوله تعالى: {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْكُفَّارِ هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لقوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} فَلَوْ كَانَ الْمَجُوسُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ، وَقَدْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ طَائِفَتَانِ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ أَيْضًا فِي حُكْمِ الصَّابِئِينَ، وَهَلْ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ أَمْ لَا، وَهُمْ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بِنَوَاحِي كَسْكَرَ وَالْبَطَائِحَ، وَهُمْ فِيمَا بَلَغْنَا صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى، وَإِنْ كَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ دِيَانَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى فِرَقٌ كَثِيرَةٌ مِنْهُمْ الْمَرْقُونِيَّةُ والْآرْيُوسِيَّةُ، وَالْمَارُونِيَّةُ، وَالْفِرَقُ الثَّلَاثُ مِنْ النَّسْطُورِيَّةِ وَالْمَلْكِيَّةِ، وَالْيَعْقُوبِيَّةِ يَبْرَءُونَ مِنْهُمْ، وَيُحَرِّمُونَهُمْ، وَهُمْ يَنْتَمُونَ إلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَشِيثٌ، وَيَنْتَحِلُونَ كُتُبًا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا كُتُبُ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى شِيثِ بْنِ آدَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا،، وَالنَّصَارَى تُسَمِّيهِمْ يُوحَنَّاسِيَّةَ؛ فَهَذِهِ الْفِرْقَةُ يَجْعَلُهَا أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُبِيحُ أَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ، وَمُنَاكَحَةَ نِسَائِهِمْ. وَفِرْقَةٌ أُخْرَى قَدْ تَسَمَّتْ بِالصَّابِئِينَ، وَهُمْ الْحَرَّانِيُّونَ الَّذِينَ بِنَاحِيَةِ حَرَّانَ، وَهُمْ عَبَدَةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت