تَقْتُلُوا وَلَيَدًا. وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ: اُدْعُهُمْ إلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ عَنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ؛ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، وَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. وَذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحِيحِ {أَنَّ عُمَرَ تَوَقَّفَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ، حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ} . وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ مَجُوسٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ أَسْلَمَ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ؛ يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ جِزْيَةٌ. وَالصَّحِيحُ قَبُولُهَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْإِجَابَةِ بِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: [مَحِلُّ الْجِزْيَةِ] : وَمَحِلُّهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ دُونَ الْمَجَانِينِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ، دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي الرُّهْبَانِ؛ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ. قَالَ مُطَرِّفٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: هَذَا إذَا لَمْ يَتَرَهَّبْ بَعْدَ فَرْضِهَا، فَإِنْ فُرِضَتْ، لَمْ يُسْقِطْهَا تَرَهُّبُهُ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: وَسَتَجِدُ قَوْمًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ، فَذَرْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَهِيجُوا، وَلَمْ يَقْتُلُوا لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قوله تعالى {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} : فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا: الْأَوَّلُ: أَنْ يُعْطِيَهَا وَهُوَ قَائِمٌ وَالْآخِذُ جَالِسٌ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ الثَّانِي: يُعْطُونَهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ يَمْشُونَ بِهَا؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الثَّالِثُ: يَعْنِي مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِ آخِذِهِ، كَمَا تَقُولُ: كَلَّمَتْهُ فَمًا لِفَمٍ، وَلَقِيَتْهُ كِفَّةً كِفَّةً، وَأَعْطَيْته يَدًا عَنْ يَدٍ. الرَّابِعُ: عَنْ قُوَّةٍ مِنْهُمْ. الْخَامِسُ: عَنْ ظُهُورٍ. السَّادِسُ: غَيْرَ مَحْمُودِينَ وَلَا مَدْعُوٍّ لَهُمْ. السَّابِعُ: تُوجَأُ عُنُقُهُ. الثَّامِنُ: عَنْ ذُلٍّ. التَّاسِعُ: عَنْ غِنًى. الْعَاشِرُ: عَنْ عَهْدٍ. الْحَادِيَ عَشَرَ: نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ. الثَّانِيَ عَشَرَ: اعْتِرَافًا مِنْهُمْ أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِينَ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. الثَّالِثَ عَشَرَ: عَنْ قَهْرٍ. الرَّابِعَ عَشَرَ: عَنْ إنْعَامٍ بِقَبُولِهَا عَلَيْهِمْ. الْخَامِسَ عَشَرَ: مُبْتَدِئًا غَيْرَ مُكَافِئٍ. قَالَ الْإِمَامُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ مِنْهَا مُتَدَاخِلَةٌ، وَمِنْهَا مُتَنَافِرَةٌ، وَتَرْجِعُ إلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُون الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْحَقِيقَةَ، وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْمَجَازَ. فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةَ فَيَرْجِعُ إلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَنِيبٍ فِي دَفْعِهَا أَحَدًا. وَأَمَّا جِهَةُ الْمَجَازِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقُوَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمِنَّةَ وَالْإِنْعَامَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَهُوَ قَائِمٌ وَالْآخِذُ جَالِسٌ فَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ عَنْ يَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَمْشُونَ بِهَا وَهُمْ كَارِهُونَ، مِنْ الصَّغَارِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ: وَلَا مَقْهُورِينَ يَعُودُ إلَى الصَّغَارِ وَالْيَدِ، وَحَقِيقَةُ الصَّغَارِ تَقْلِيلُ الْكَثِيرِ مِنْ الْأَجْسَامِ، أَوْ مِنْ الْمَعَانِي فِي الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ.