بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ رحمه الله: الْفَقِيرُ قُوَّتُهُ مَا وَجَدَ، وَلِبَاسُهُ مَا سَتَرَ، وَمَسْكَنُهُ حَيْثُ نَزَلَ، وَقَالَ: حَقِيقَةُ الْغِنَى أَنْ تَسْتَغْنِيَ عَمَّنْ هُوَ مِثْلُك، وَقَالَ: الَّذِي مَنَعَ الصَّادِقِينَ الشَّكْوَى إلَى غَيْرِ اللَّهِ الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ، وَكَتَبَ أَبُو الْأَبْيَضِ كِتَابًا إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ: سَلَامٌ عَلَيْك، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، وَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّك لَمْ تُكَلَّفْ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا نَفْسًا وَاحِدَةً فَإِنْ أَنْتَ أَصْلَحْتهَا لَمْ يَضُرَّك فَسَادُ غَيْرِهَا، وَإِنْ أَنْتَ أَفْسَدْتهَا لَمْ يَنْفَعْك صَلَاحُ غَيْرِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّك لَنْ تَسْلَمْ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى لَا تُبَالِي مِنْ أَكْلِهَا مِنْ أَحْمَرَ، وَأَسْوَدَ. قَالَ شَقِيقُ بْنُ أَدْهَمَ الْبَلْخِيُّ رحمه الله: تُعْرَفُ تَقْوَى الرَّجُلِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي أَخْذِهِ، وَمَنْعِهِ، وَكَلَامِهِ، وَقَالَ: دَخَلَ الْفَسَادُ فِي الْخَلْقِ مِنْ سِتَّةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلِهَا: ضَعْفُ النِّيَّةِ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ. وَالثَّانِي - صَارَتْ أَبْدَانُهُمْ رَهِينَةً بِشَهَوَاتِهِمْ. وَالثَّالِثِ - غَلَبَةُ طُولِ الْأَمَلِ عَلَى قُرْبِ أَجَلِهِمْ. وَالرَّابِعِ - اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَنَبَذُوا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ. وَالْخَامِسِ - آثَرُوا رِضَى الْمَخْلُوقِينَ فِيمَا يَشْتَهُونَ عَلَى رِضَى خَالِقِهِمْ فِيمَا يَكْرَهُونَ. وَالسَّادِسِ - جَعَلُوا أَدِلَّاتِ السَّلَفِ دِينًا، وَمَنَاقِبَ لِأَنْفُسِهِمْ.، وَقَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: الْزَمْ خِدْمَةَ مَوْلَاك تَاتِيك الدُّنْيَا رَاغِمَةً، وَالْجَنَّةُ رَاغِبَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْمُرِيدِ الْخَلْوَةَ عَلَى يَدِ شَيْخٍ مُتَمَكِّنٍ فِي الْعِلْمَيْنِ عِلْمِ الْحَالِ، وَعِلْمِ السُّنَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَدْخُلُ بِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالشَّيْخُ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ. إمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْمُكَاشَفَاتِ، وَخَرْقِ الْعَادَاتِ مَا يَمُدُّ بِهِ الْمُرِيدَ فِي خَلْوَتِهِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَا يَفُوقُهُ غَيْرُهُ، وَالسَّلَامَةُ، بَلْ الْغَنِيمَةُ مَوْجُودَةٌ عَلَى يَدِهِ مُتَيَسِّرَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مِزَاجَ الْمُرِيدِ، وَقَدْرَ مَا يَحْمِلُ مِنْ الْمُجَاهَدَاتِ، وَقَدْرَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْرَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ، وَمِنْ سَعَادَةِ الْمُرِيدِ إنْ وَجَدَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُكَاشَفَاتِ، وَلَا ظُهُورِ خَرْقِ الْعَادَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ حَاصِلًا بِالتَّجْرِبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ، وَاطَّلَعَ عَلَى الْمَفَاسِدِ وَالْمَصَالِحِ، وَمَا يَلِيقُ بِالْمُرِيدِ فِي خَلْوَتِهِ، وَمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَادَاتِ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَنْ يَدْخُلَ بِنَفْسِهِ خِيفَةً مِنْ مَوَاضِعِ الْعَطَبِ، وَأَعْنِي بِدُخُولِ الْخَلْوَةِ هُنَا مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُرِيدُ مِنْ الْمُجَاهَدَاتِ، وَأَمَّا لَوْ خَلَا بِنَفْسِهِ دُونَ مُجَاهَدَةٍ فَلَا يَحْتَاجُ هَذَا إلَى شَيْخٍ يُسْلِكُهُ، بَلْ لِسَانُ الْعِلْمِ قَائِمٌ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ بِهِ فِي الْخَلَاءِ، وَالْمَلَأِ لَا فَرْقَ إذْ ذَاكَ فِي حَقِّهِ مَعَ أَنَّهُ إذَا اتَّبَعَ لِسَانَ الْعِلْمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي خَلْوَتِهِ وَجَلْوَتِهِ فَهُوَ وَلِيُّ وَقْتِهِ لِأَجْلِ حَالِ الزَّمَانِ فَمَا أَسْعَدَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ أَعْنِي تَرْكَ دُخُولِ الْخَلْوَةِ عَلَى نِظَامٍ مَعْلُومٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُرَبِّي أَصْحَابَهُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، وَفِي الْأَسْوَاقِ يَحْتَرِفُونَ، وَفِي الْحَوَائِطِ يَعْمَلُونَ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ الْخَلَوَاتُ عَلَى يَدِ الْمُرَبِّينَ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ رضي الله عنهم، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ، وَسَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رحمهما الله يَقُولَانِ: إنَّمَا جُعِلَتْ الْخَلْوَةُ لِلْبَنَاتِ الْأَبْكَارِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ لِلْمُرِيدِينَ لَمَّا أَنْ كَثُرَتْ الْفِتَنُ وَالْمُخَالَفَاتُ فَاحْتَاجَ الْمُرِيدُونَ إذْ ذَاكَ إلَى الْفِرَارِ لِأَجْلِ صَلَاحِ دِينِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَخَوَاطِرِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ السَّبِيلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِدُخُولِ الْخَلَوَاتِ وَالْفَلَوَاتِ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْخَلْوَةَ الْمَعْهُودَةَ عِنْدَ