اليوم. ألا ترى أنه قال في تعظيمها:"وَلاَ يَلْتَقِط لُقَطَتَها إلاّ مُنْشِد"واللُّقَطة بها وبغيرها سواء. ويجوز أن تكون منسوخة بقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] . قال ابن العربي: «حضرتُ في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة أبي عُقْبة الحنفي، والقاضي الزّنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بَهِيّ المَنْظَر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرّعاء؛ فقال القاضي الزّنجاني: مَن السيد؟ فقال: رجل سلبه الشُّطار أمس، وكان مقصدي هذا الحَرَم المقدّس؛ وأنا رجل من أهل صاغان من طلبه العلم. فقال القاضي مبادرًا: سَلُوه على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحَرَم هل يُقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسُئل عن الدليل؛ فقال قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} قُرئ «ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم» فإن قُرئ «ولا تقتلوهم» فالمسألة نصّ، وإن قرئ «ولا تقاتلوهم» فهو تنبيه؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلًا بَيِّنًا ظاهرًا على النهي عن القتل. فاعترض عليه القاضي منتصرًا للشافعيّ ومالك، وإن لم ير مذهبهما، على العادة، فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] . فقال له الصّاغاني: هذا لا يليق بمَنْصِب القاضي وعلمه؛ فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامةٌ في الأماكن؛ والتي احتججت بها خاصّة، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العامَّ يَنْسَخ الخاص. فبُهت القاضي الزّنجاني، وهذا من بديع الكلام». قال ابن العربي: «فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه، لنصّ الآية والسُّنة الثابتة بالنّهي عن القتال فيه. وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحدّ عليه، إلا أن يبتدئ الكافرُ بالقتال فيُقتل بنصّ القرآن» .
قلت: وأما ما احتجوا به من قَتل ابن خَطَل وأصحابه فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أُحِلّت له مكة وهي دار حَرْب وكُفْر، وكان له أن يُريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أُحِلّ له فيها القتال. فثبت وصحّ أن القول الأوّل أصح، والله أعلم.
الرابعة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر؛ فالكافرْ يُقتل إذا قاتل بكل حال، والباغي إذا قاتل بنية الدفع. ولا يُتْبَعُ مُدْبِر ولا يُجْهَز على جريح. على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في «الحجرات» إن شاء الله تعالى.
الخامسة: قوله تعالى: {فَإِنِ انتهوا} أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدّم، ويرحم كلاًّ منهم بالعفو عما اجترم؛ نظيره قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] . وسيأتي.
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
فيه مسألتان: