فهرس الكتاب

الصفحة 637 من 1257

وإذا قلنا لا يقتل، فلا بُدّ من تنكيل ذلك القائل وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد والإهانة العظيمة.

الثالثة فأما الذِّميّ إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك؛ لقوله: {وَإِن نكثوا أَيْمَانَهُم} الآية. فأمر بقتلهم وقتالهم. وهو مذهب الشافعيّ رحمه الله. وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يستتاب، وإنّ مجرّد الطعن لا ينقض به العهد إلاَّ مع وجود النَّكْث؛ لأن الله عزّ وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما نقضهم العهد، والثاني طعنهم في الدين. قلنا: إنَ عملوا بما يخالف العهد انتقض عهدهم، وذِكر الأمرين لا يقتضي توقّف قتاله على وجودهما؛ فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلًا وشرعًا. وتقدير الآية عندنا: فإن نكثوا عهدهم حلّ قتالهم، وإن لم ينكثوا بل طعنوا في الدِّين مع الوفاء بالعهد حلّ قتالهم. وقد رُوي أن عمر رُفع إليه: ذِمّي نخس دابة عليها امرأة مسلمة فَرَمَحت فأسقطتها فانكشف بعض عورتها؛ فأمر بصلبه في الموضع.

الرابعة إذا حارب الذمّي نُقض عهده وكان مالُه وولده فَيْئًا معه. وقال محمد بن مسلمة: لا يؤاخذ ولده به؛ لأنه نقض وحده. وقال: أمّا مالُه فيؤخذ. وهذا تعارض لا يشبه منصِب محمد بن مسلمة؛ لأن عهده هو الذي حمى ماله وولده؛ فإذا ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده. وقال أشهب: إذا نقض الذّمي العهد فهو على عهده ولا يعود في الرق أبدًا. وهذا من العجب؛ وكأنه رأى العهد معنًى محسوسًا. وإنما العهد حكم اقتضاه النظر، والتزمه المسلمون له، فإذا نقضه انتقض كسائر العقود.

الخامسة أكثر العلماء على أن مَن سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة، أو عَرّض أو استخفّ بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فإنه يقتل؛ فإنا لم نعطه الذِّمة أو العهد على هذا. إلاَّ أبا حنيفة والثّوريّ وأتباعَهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم. ولكن يؤدَّب ويُعَزّر. والحجة عليه قوله تعالى: {وَإِن نكثوا} الآية. واستدلّ عليه بعضهم بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهَدًا. وتغيّظ أبو بكر على رجل من أصحابه فقال أبو بَرزة: ألاَ أضرب عنقه!. فقال؛ ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عباس:"أن رجلًا أعمى كانت له أمّ ولد، له منها ابنان مثل اللؤلؤتين، فكانت تشتُم النبيّ صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلم تنته، ويزجرها فلم تنزجر، فلما كان ذات ليلة ذكرت النبيّ صلى الله عليه وسلم فما صبَرَ سيّدها أن قام إلى مِعْول فوضعه في بطنها، ثم اتكأ عليها حتى أنفذه. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألاَ اشهدوا إن دمها هَدَر» "وفي رواية عن ابن عباس:"فقتلها، فلما أصبح قيل ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقام الأعمى فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلتْ تشتمك وتقع فيك فقتلتها؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألاَ أشهدوا إن دمها هَدَرَ» ".

السادسة واختلفوا إذا سَبّه ثم أسلم تَقِيّة من القتل؛ فقيل: يُسقط إسلامُه قتلَه؛ وهو المشهور من المذهب؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله. بخلاف المسلم إذا سَبّه ثم تاب؛ قال الله عزّ وجل: قُل لِلَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت