الْأَسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَا عَزَّة الشَّاعِرَ بَعْدَمَا أُسِرَ، وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ نُزُولِهِمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. فَحَكَمَ فِيهِمْ بِالْقَتْلِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وَمَنَّ عَلَى الزُّبَيْرِ بْن بَاطَا مِنْ بَيْنِهِمْ، وَفَتَحَ خَيْبَرَ بَعْضَهَا صُلْحًا وَبَعْضَهَا عَنْوَةً، وَشَرَطَ عَلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ أَنْ لَا يَكْتُمَ شَيْئًا فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَى خِيَانَتِهِ وَكِتْمَانِهِ قَتَلَهُ، وَفَتَحَ مَكَّةَ وَأَمَرَ بِقَتْلِ هِلَالِ بْنِ خَطَلٍ وَمَقِيسِ بْنِ صَبَابَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْح وَآخَرِينَ وَقَالَ: {اُقْتُلُوهُمْ، وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ} وَمَنَّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَقُولُ:"وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْفُجَاءَةِ لَمْ أَكُنْ أَحْرَقْتُهُ وَكُنْتُ قَتَلْتُهُ صَرِيحًا أَوْ أَطْلَقْتُهُ نَجِيحًا"وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَتَلَ دِهْقَانَ السُّوسِ بَعْدَمَا أَعْطَاهُ الْأَمَانَ عَلَى قَوْمٍ سَمَّاهُمْ وَنَسِيَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُدْخِلْهَا فِي الْأَمَانِ فَقَتَلَهُ فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ وَفِي اسْتِبْقَائِهِ وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فِدَائِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا:"يُفَادَى الْأَسِيرُ بِالْمَالِ وَلَا يُبَاعُ السَّبْيُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَرُدُّوا حَرْبًا"وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفَادُونَ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا وَلَا يُرَدُّونَ حَرْبًا أَبَدًا"وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ:"لَا بَاسَ أَنْ يُفَادَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْرَى الْمُشْرِكِينَ"، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ:"لَا بَاسَ بِبَيْعِ السَّبْيِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يُبَاعُ الرِّجَالُ إلَّا أَنْ يُفَادَى بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ"وَقَالَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ:"لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الرِّجَالِ الَّذِينَ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُفَادِي بِهِمْ"فَأَمَّا الْمُجِيزُونَ لِلْفِدَاءِ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْمَالِ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِالْمَالِ وَبِالْمُسْلِمِينَ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {فَدَى أُسَارَى بَدْرٍ بِالْمَالِ} وَيَحْتَجُّونَ لِلْفِدَاءِ بِالْمُسْلِمِينَ بِمَا رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قلابة عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حَصِينٍ قَالَ {: أَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَسَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَمُرَّ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُوثَقٌ، فَأَقْبَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: عَلَامَ أُحْبَسُ؟ قَالَ: بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك فَقَالَ الْأَسِيرُ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك لَأَفْلَحَتْ كُلَّ الْفَلَاحِ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَادَاهُ أَيْضًا، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: إنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: هَذِهِ حَاجَتُك} ، ثُمَّ {إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَدَاهُ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَتْ ثَقِيفٌ أَسَرَتْهُمَا.} وَرَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قلابة عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حَصِينٍ {: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ} وَلَمْ يَذْكُرْ إسْلَامَ الْأَسِيرِ، وَذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُفَادَى الْآنَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُرَدُّ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَرَطَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لِقُرَيْشٍ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْإِقَامَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ {: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ} - وَقَالَ {: مَنْ أَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ.} وَأَمَّا مَا فِي الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِ الْمَنِّ أَوْ الْفِدَاءِ وَمَا رُوِيَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ"