ولم يشترط صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ـ ولا في غيره ـ تَمَيُّزًا ولا مفاصلة، ولا نبه أحد من أهل العلم على هذا كما نقلته عن القاضي عياض وابن حجر في شرح هذا الحديث. فإن قال الذي اشترط هذا الشرط (تَمَيُّز الدارين) إنه يجب عقلا لا شرعا، فنقول له العقل لا يوجب شيئا كما ذكرنا في أصول الإعتصام بالكتاب والسنة، وإن قال إنه أمر اجتهادي، فنقول له إذا وصلنا إلى الاجتهاد فالأمر متروك لأهل الخبرة الحربية لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) النساء، الآية: 58، أما من الناحية الشرعية فنحن نقول إنه لا يشترط لوجوب الخروج على الحاكم إلا القدرة من عدد وعدة، وهذه أيضا يحدد القدر المطلوب منها أهل الخبرة الحربية، ومن غَرّر بنفسه وخرج للجهاد بمفرده جاز له ذلك وهو مأجور إن شاء الله تعالى، إلا إذا كان يتبع طائفة مجاهدة فلا يخرج إلا بإذن الأمير أما دليل جواز خروجه منفردا فهو قول الله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ) سورة النساء، الآية: 84، وقال ابن حزم: (ويُغْزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلِّب والمحارب كما يُغْزَى مع الإمام ويغزوهم المرء وحده إن قدر أيضا) .
قلت: وجهاد هؤلاء الطواغيت فرض عين فللمرء أن يفعله وحده إن أراد، خاصة إذا أمكنته الفرصة من أحد هؤلاء، ولا يجب عليه التصدي لجمع عظيم من الكافرين بل يجوز له الفرار للتفاوت العددي، فإن ثبت وكان له غرض في الشهادة جاز له ذلك وهو حسن، قال تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) سورة البقرة، الآية: 207، أما الواجب فهو قتالهم في جماعة، إذ المطلوب إظهار الدين (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) الأنفال، الآية: 39، وهذا لا يتأتى بالقتال منفردًا، ومن كان يتبع جماعة مجاهدة فلا يقاتل إلا بإذن أميره، قال تعالى: (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) النور، الآية: 62، وقد خرج جماعة من المسلمين على الحكام المرتدين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده، دون تَمَيُّز في الديار أو مفاصلة، فلما خرج الأسود العنسي المتنبي الكذاب وغلب على اليمن واستولى عليها احتال عليه فَيْروز الديلمي ـ وكان من أنصاره في الظاهر ـ حتى قتله، وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، وما قال أحد كيف يقتل فيروز هذا الأسود قبل أن ينحاز إلى أرض مستقلة؟ كذلك خرج يزيد بن الوليد وطائفة معه على الخليفة الوليد بن يزيد لما اتُّهِم بالانحلال في الدين حتى قتلوه، دون تَمَيُّز في الديار. ونقتصر على هذين المثلين اختصارا.
وأصحاب هذه الشبهة يستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَشْرَع في القتال إلا بعد الهجرة، حيث أصبح للمسلمين دار مستقلة بالمدينة تميزوا فيها عن عدوهم.
وهذا القول ليس بحجة إذ ليس فيه حصر، بمعنى أنه لم يرد نص شرعي يمنع القتال إلا في مثل هذه الحالة، وهذا واضح. ثم إن هذا الزمان كان زمان تشريع أما الآن ومنذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقد اكتملت الشريعة وأحكامها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) المائدة، الآية: 3، وقد انعقد الإجماع على أنه إذا نزل العدو الكافر ببلد تَعَيَّن على أهله قتالهم ـ أي صار دفع الكافرين فرض عين على المسلمين بهذه البلدة ـ فهاهم