ما رواه أبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خَثْعَم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر لهم بنصف العقل وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما) .
ومنها حديث البيداء المذكور في كلام ابن تيمية السابق، فهذا الجيش أهلكه الله تعالى مع أن فيهم المُكْرَه و من ليس منهم. ومنها ما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أنزَلَ الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم.
ومنها ما رواه البخاري عن أم المؤمنين زينب بنت جحش قال: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا كثر الخبث.
ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعا (إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون، قُبِضُوا معهم ثم بُعِثُوا على نياتهم وأعمالهم) . وهذه الأحاديث كلها في معنى حديث البيداء.
قلت: والقول بالخصوصية ليس معناه أن المؤمن المخالط للكافرين لا حرمة له أو أنه مهدر الدم، لا بل هو معصوم بإيمانه أينما كان، وإنما القول بالخصوصية معناه أن هذه المخالطة ليست بمانعة من قتال الكافرين وإن تيقن أن بينهم مسلمين سيقتلون ضمنا، وذلك إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك.
وهذا هو ما استقر عليه قول جمهور الفقهاء، ويجب أن يشاع هذا العلم في المسلمين كي يَحْذَروا من مخالطة الكافرين.
وفي تفسير قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} أورد القرطبي أن مالكا رحمه الله لا يرى رمي المشركين إذا علم أن بينهم مسلمين مستدلا بهذه الآية، وقال إن أبا حنيفة أجاز ذلك. ثم قال القرطبي: (قد يجوز قتل التُّرس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية، أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية، أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قَتَلَ الكفارُ الترسَ واستولوا على كل الأمة ومعنى كونها قطعية، أن تلك المصلحة حاصلة من قَتْل الترس قطعا، قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يُخْتَلَف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين. وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون. ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يُقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نَفَرَت منها نفس من لم يُمْعِن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم. والله أعلم) .
قلت: وهذا كلام يَشْفى العليل ويَرْوى الغليل، فإنه لا خلاف بين الأمة في وجوب حفظ الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل (النسب) والعقل والمال، ولا خلاف في أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، ولهذا شُرِع الجهاد لحفظ الدين مع أن فيه ذَهَاب الأنفس والأموال، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ