فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 1257

ولست أختلف مع هؤلاء في أن الدعوة إلى الله من الجهاد إلا أن مسلكهم هذا يجب أن يكون مطابقًا للعهد المكي حيث أن دعوته - صلى الله عليه وسلم - قائمة بين الكفار وعبدة الأصنام ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يعيش بين المسلمين كما هي حالنا اليوم ولهذا وجب على العلماء والدعاة من المصلحين أن يجمعوا بين الأمرين الدعوة والجهاد.

وأما ما يستدل به هؤلاء على طريقتهم تلك فإنما هو مجرد اجتهاد غير مبني على أصل شرعي وقد يعتقد بعضهم أن ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال حينما رجع من عزوة تبوك رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يدل على وجوب الدعوة إلى الله وأنها أهم من الجهاد بالسيف مع أنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (وأما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وجهاد الكفار من أعظم الأعمال بل هو من أفضل ما تطوع به الإنسان] أ. هـ.

وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِى أَرْضِهِ الَّتِى وُلِدَ فِيهَا» . فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ. قَالَ «إِنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ»

ولا يشك عاقل أن جهاد النفس وتربيتها على الإيمان أنه من أعظم مقومات النصر إذ أن الهزيمة سببها الوقوع في المعصية لكن ليس معنى ذلك أن يترك الجهاد لهذه الحجة.

قال ابن القيم رحمه الله عند قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) : "علق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل به من الجهاد:

قال الجنيد رحمه الله: (والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنًا فمن نصر عليها نصر على عدوه ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه .. إلى أن قال: ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك " إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر " يعني أهل الجهاد فإن الله يقول(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) ] أ. هـ.

فعلى القائلين بعدم وجوب الجهاد أن يتقوا الله في أنفسهم وأن لا يقولوا على الله إلا الحق فإن القول بعدمه ليس له أصل، وسأذكر بعض الأدلة الواردة في الوعيد الشديد على من لا يرى الجهاد تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت