فهرس الكتاب

الصفحة 813 من 1257

والمعنى: أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون المؤمن عند توليته منحازا إلى جماعة أخرى من الجيش ومنضما إليها للتعاون معها على القتال، حيث إنها في حاجة إليه.

وهذا كله من أبواب خدع الحرب ومكايدها.

وقد توعد - سبحانه - الذى ينهزم أمام الأعداء في غير هاتين الحالتين بقوله: {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير} .أى: ومن يول الكافرين يوم لفائهم دبره غير متحرف ولا متحيز فقد رجع متلبسا بغضب شديد كائن من الله - تعالى - ومأواه الذى يأوى إليه في الآخرة جهنم وبئس المصير هى. وقوله: {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله. . .} جواب الشرط لقوله، ومن يولهم.

هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى:

1 -وجوب مصابرة العدو، والثبات في وجهه عند القتال، وتحريم الفرار منه.

قال الآلوسى: في الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز. أُخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"اجتنبوا السبع الموبقات - أى المهلكات - قالوا: يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".

ثم قال: وجاء وعد - التولى الزحف - من الكبائر في غير ما حديث.

2 -أن الخطاب في الآيتين لجميع المؤمنين وليس خاصًا بأهل بدر. قال الفخر الرازى ما ملخصه: اختلف المفسرون في أن هذا الحكم - وهو تحريم التولى أمام الزحف - هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإِطلاق؟

فنقل عن أبى سعيد الخدرى والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر. قالوا: والسبب في اختصاص بدر بهذا الحكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان حاضرًا يوم بدر. . وأنه - سبحانه - شدد الأمر على أهل بدر، لأنه كان أول الجهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه لزم منه الخلل العظيم

والقول الثانى: أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عامًا في جميع الحروب بديل أن قوله - تعالى - {يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُوا} عام فيتناول جميع الصور. أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وهذا القول الثانى هو الذى نرجحه، لأن ظاهر الآية يفيد العموم لكل المؤمنين في كل زمان ومكان، ولأن سورة الأنفال كلها قد نزلت بعد الفراغ من غزوة بدر لا قبل الدخول فيها.

3 -أن الآيتين محكمتان وليستا منسوختين. أى أن تحريم التولى يوم الزحف على غير المتحرف أو لمتحيز ثابت لم ينسخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت