ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، فألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعًا إلى المدينة. وأمر بالتهيؤ لحربهم. فتحصنوا منه في الحصون. وأرسل إليهم عبدالله ابن أبي ابن سلول (رأس النفاق) أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. ومن أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب. . هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب.
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة. وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبًا على المسلمين مع المشركين، بتحريض من زعماء بني النضير، وحيي بن أخطب على رأسهم. وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة.
ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انتهى إليه الخبر، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير رضي الله عنهم فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًا فالحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس» . (مما يصور ما كان يتوقعه صلى الله عيله وسلم من وقع الخبر في النفوس) . «فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. نالوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد!. . ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتلميح لا بالتصريح. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين
(تثبيتًا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف) .
ويقول ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء؛ واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين. . الخ.
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب. فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره. ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرًا؛ وكفى الله المؤمنين القتال. . رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة منصورًا، ووضع الناس السلاح، «فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل من وعثاء المرابطة، في بيت أم سلمة رضي الله عنها إذ تبدى له جبريل عليه السلام فقال:» أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم: «نعم» . قال: «ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم» . ثم قال: «إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة»