فهرس الكتاب

الصفحة 833 من 1257

قرون وقرون؛ ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية إلا بعد أجيال وأجيال. . فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية وأنه إلى الله تصير الأمور. . فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله واتسع له تصورها ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان - بعد هذا - إلى مشيئته الطليقة!

{قد خلت من قبلكم سنن} . .وهي هي التي تحكم الحياة. وهي هي التي قررتها المشيئة الطليقة. فما وقع منها في غير زمانكم فسيقع مثله - بمشيئة الله - في زمانكم وما انطبق منها على مثل حالكم فهو كذلك سينطبق على حالكم. {فسيروا في الأرض} . .فالأرض كلها وحدة. والأرض كلها مسرح للحياة البشرية. والأرض والحياة فيها كتاب مفتوح تتملاه الأبصار والبصائر. {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} . .وهي عاقبة تشهد بها آثارهم في الأرض وتشهد بها سيرهم التي يتناقلها خلفهم هناك. . ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من هذه السير ومن هذه الآثار في مواضع منه متفرقة.

بعضها حدد مكانه وزمانه وشخوصه. وبعضها أشار إليه بدون تحديد ولا تفصيل. . وهنا يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة مجملة: إن ما جرى للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدًا. ذلك كي تطمئن قلوب الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة. وكي تحذر الانزلاق مع المكذبين من جهة أخرى. وقد كان هنالك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى التحذير. وفي السياق سيرد من هذه الدواعي الكثير. وعلى إثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة والعبرة بهذا البيان:

{هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} . .هذا بيان للناس كافة. فهو نقلة بشرية بعيدة ما كان الناس ببالغيها لولا هذا البيان الهادي. ولكن طائفة خاصة هي التي تجد فيه الهدى، وتجد فيه الموعظة وتنتفع به وتصل على هداه. . طائفة {المتقين} . .إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى. والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها. . والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل، وبالهدى والضلال. . إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل. إنما تنقص الناس الرغبة في الحق، والقدرة على اختيار طريقه والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه. . لا ينشئهما إلا الإيمان، ولا يحفظهما إلا التقوى. . ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات. تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق ومن هدى ومن نور ومن موعظة ومن عبرة. . . إنما هي للمؤمنين وللمتقين. فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة. وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة. . واحتمال مشقات الطريق. . وهذا هو الأمر وهذا هو لب المسألة. . لا مجرد العلم والمعرفة. . فكم ممن يعلمون ويعرفون وهم في حمأة الباطل يتمرغون. إما خضوعًا لشهوة لا يجدي معها العلم والمعرفة وإما خوفًا من أذى ينتظر حملة الحق وأصحاب الدعوة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت