الالْتِقَاءِ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، سَوَاءٌ ذَهَبَ الخَاسِرُ إِلَى النَّارِ وَأَهْلَهُ إِلَى الجَنَّةِ، أَوْ ذَهَبُوا جَمِيعًا إِلَى النَّارِ، وَذَلِكَ الخُسْرَانُ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ الظَّاهِرُ لِفَظًاعَتِهِ وَهَوْلِهِ. يَصِفُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاَءِ الخَاسِرِينَ وَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِيهَا، وَمِنْ فَوْقِهِمْ طَبَقَاتٌ مُتَرَاكِمَةٌ مِنَ النَّارِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَكَأَنَّهَا الظُّلَلُ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ طَبَقَاتٌ مِثْلُهَا، فَتَغْمُرُهُمْ النَّارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ مَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُخَوِّفَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ ذَلِكَ اليومِ، فَيَزْدَجِرَ العُقَلاَءُ عَنِ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَيَعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ، فَيَا عِبَادَ الله اتَّقُوا رَبَّكُمْ تَعَالَى، وَبَالِغُوا فِي الخَوْفِ والحَذَرِ، وَلاَ تَرْتَكِبُوا مَا يُسْخِطُ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ. والذينَ اجْتَنَبُوا عِبَادَةَ الأَصْنَامِ، واتِّبَاعَ الشَّيَاطِينِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ مُعْرِضِينَ عَمّا سِوَاهُ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ بالثَّوَابِ العَظِيمِ حِينَ المَوْتِ، وَحِينَ يَلْقَونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الحِسَابِ. الطَّاغُوتَ - الشَّيْطَانَ وَيُطْلَقُ عَلَى الوَاحِدِ والجَمْعِ وَسُمِّيَتْ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ. أَوْ هُوَ الأَوْثَانُ وَالمَعْبُودَاتُ البَاطِلَةُ. وَهَؤُلاَءِ الذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ، وَأَنَابُوا إِلَى رَبِّهِمْ، وَسَمِعُوا القَوْلَ فَاتَّبَعُوا أَحْسَنَهُ وَأَوْلاَهُ بالقَبُولِ. . هَؤُلاَءِ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بالنَّعِيمِ المُقِيمِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأولَئِكَ هُمُ الذِينَ وَفَّقَهُمُ اللهَ تَعَالَى لِلرَّشَادِ وَالصَّوَابِ، وَأولَئِكَ هُمْ أَصْحَابُ العُقُولِ والأَفْهَامِ السَّلِيمَةِ.
وهذا الإعلان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه مأمور أن يعبد الله وحده، ويخلص له الدين وحده؛ وأن يكون بهذا أول المسلمين؛ وأنه يخاف عذاب يوم عظيم إنه هو عصى ربه. . هذا الإعلان ذو قيمة كبرى في تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام هو عبدالله. هذا مقامه لا يتعداه. وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفًا، وترتفع ذات الله سبحانه متفردة فوق جميع العباد. . وهذا هو المراد.
وعند ذلك يقر معنى الألوهية، ومعنى العبودية، ويتميزان، فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الوحداينة لله سبحانه بلا شريك ولا شبيه. وحين يقف محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقام العبودية لله وحده يعلن هذا الإعلان، ويخاف هذا الخوف من العصيان، فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام أو الملائكة بعبادتهم من دون الله أو مع الله بحال من الأحوال.
ومرة أخرى يكرر الإعلان مع الإصرار على الطريق، وترك المشركين لطريقهم ونهايته الأليمة: {قل: الله أعبد مخلصًا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ألا ذلك هو الخسران المبين} . .مرة أخرى يعلن: إنني ماض في طريقي. أخص الله بالعبادة، وأخلص له الدينونة. فأما أنتم فامضوا في الطريق التي تريدون؛ واعبدوا ما شئتم من دونه. ولكن هنالك الخسران الذي ما بعده خسران. خسران النفس التي تنتهي إلى جهنم. وخسران الأهل سواء كانوا مؤمنين أم كافرين. فإن كانوا مؤمنين فقد خسرهم المشركون لأن هؤلاء إلى طريق وهؤلاء إلى طريق. وإن كانوا مشركين مثلهم فكلهم خسر نفسه بالجحيم. . {ألا ذلك هو الخسران المبين} . .