فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة. .
وهذا النداء، وهذا التكليف، في هذه السورة:
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس. . إن الله لا يهدي القوم الكافرين) . .
يبدو من السياق - قبل هذا النداء وبعده - أن المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هم عليه، وبحقيقة صفتهم التي يستحقونها بما هم عليه. . ومواجهتهم بأنهم ليسوا على شيء. . ليسوا على شيء من الدين ولا العقيدة ولا الإيمان. . ذلك أنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم. ومن ثم فلا شيء مما يدعونه لأنفسهم من أنهم أهل كتاب وأصحاب عقيدة وأتباع دين: (قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم. .)
وحينما كلف الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان. . بل ليسوا على شيء أصلا يرتكن عليه! حينما كلف الرسول صلى الله عليه وسلم بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة، كانوا يتلون كتبهم؛ وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية؛ وكانوا يقولون: إنهم مؤمنون. . ولكن التبليغ الذي كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يواجههم به، لم يعترف لهم بشيء أصلا الا مما كانوا يزعمون لأنفسهم، لأن"الدين"وليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتبا تقرأ وترتل؛ وليس صفة تورث وتدعى. إنما الدين منهج حياة. منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير، والعبادة الممثلة في الشعائر، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج. . ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه، فقد كلف"الرسول"صلى الله عليه وسلم أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين؛ وليسوا على شيء أصلا من هذا القبيل!
وإقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، مقتضاها الأول الدخول في دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكل رسول ويعزروه وينصروه. وصفة محمد وقومه عندهم في التوراة وعندهم في الإنجيل - كما أخبر الله وهو أصدق القائلين - فهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم: [سواء كان المقصود بقوله: (وما أنزل إليهم من ربهم) هو القرآن - كما يقول بعض المفسرين - أو هو الكتب الأخرى التي أنزلت لهم كزبور داود] . . نقول إنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم إلا أن يدخلوا في الدين الجديد، الذي يصدق ما بين يديهم ويهيمن عليه. . فهم ليسوا على شيء - بشهادة الله سبحانه - حتى يدخلوا في الدين الاخير. . والرسول صلى الله عليه وسلم قد كلف أن يواجههم بهذا القرار الإلهي في شأنهم؛ وأن يبلغهم حقيقة صفتهم وموقفهم؛ وإلا فما بلغ رسالة ربه. . ويا له من تهديد!
وكان الله - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة، وبهذه الكلمة الفاصلة، ستؤدي إلى أن تزيد كثيرا منهم طغيانا وكفرا، وعنادا ولجاجا. . ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجههم بها؛