فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 1257

إن الله - سبحانه - لا يوجهنا هذا التوجيه. ولا يقبل منا هذا الاعتراف. ولا يغفر لنا هذا التناصر، ولا التصور الذي ينبعث التناصر منه. لأننا حينئذ نقرر لأنفسنا غير ما يقرر؛ ونختار في أمرنا غير ما يختار؛ ونعترف بعقائد محرفة أنها"دين إلهي، يجتمع معنا في آصرة الدين الإلهي. . والله يقول: إنهم ليسوا على شيء، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم. . وهم لا يفعلون!"

والذين يقولون: إنهم مسلمون - ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم - هم كأهل الكتاب هؤلاء، ليسوا على شيء كذلك. فهذه كلمة الله عن أهل أي كتاب لا يقيمونه في نفوسهم وفي حياتهم سواء. والذي يريد أن يكون مسلما يجب عليه - بعد إقامة كتاب الله في نفسه وفي حياته - أن يواجه الذين لا يقيمونه بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموه. وأن دعواهم أنهم على دين، يردها عليهم رب الدين. فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة؛ ودعوتهم إلى"الإسلام"من جديد هي واجب"المسلم"الذي أقام كتاب الله في نفسه وفي حياته. فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلاما، ولا تحقق إيمانا، ولا تعطي صاحبها صفة التدين بدين الله، في أي ملة، وفي أي زمان!

وبعد أن يستجيب هؤلاء أو أولئك؛ ويقيموا كتاب الله في حياتهم؛ يملك"المسلم"أن يتناصر معهم في دفع غائلة الإلحاد والملحدين، عن"الدين"وعن"المتدينين". . فأما قبل ذلك فهو عبث؛ وهو تمييع، يقوم به خادع أو مخدوع!

إن دين الله ليس راية ولا شعارا ولا وراثة! إن دين الله حقيقة تتمثل في الضمير وفي الحياة سواء. تتمثل في عقيدة تعمر القلب، وشعائر تقام للتعبد، ونظام يصرف الحياة. . ولا يقوم دين الله إلا في هذا الكل المتكامل؛ ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم. . وكل اعتبارغير هذا الاعتبار تمييع للعقيدة، وخداع للضمير؛ لا يقدم عليه"مسلم"نظيف الضمير!

وعلى"المسلم"أن يجهر بهذه الحقيقة؛ ويفاصل الناس كلهم على أساسها؛ ولا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة. والله هو العاصم. والله لا يهدي القوم الكافرين. .

وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله؛ ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس، إلا إذا أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة؛ ووصف لهم ما هم عليه كما هو في حقيقته، بلا مجاملة ولا مداهنة. . فهو قد يؤذيهم إن لم يبين لهم أنهم ليسوا على شيء، وأن ما هم عليه باطل كله من أساسه، وأنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماما غير ما هم عليه. . يدعوهم إلى نقلة بعيدة، ورحلة طويلة، وتغيير أساسي في تصوراتهم وفي أوضاعهم وفي نظامهم وفي أخلاقهم. . فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه. . (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) . .

وحين يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل وبين ما يدعوهم إليه من الحق، وعن الفاصل الحاسم بين حقه وباطلهم. . حين يفعل صاحب الدعوة هذا - مراعاة للظروف والملابسات، وحذرا من مواجهة واقع الناس الذي يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت