ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين، أنه حث على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك [فإذا فعلوها صارت الأسباب الإيمانية والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر اللّه به من النصر لهذا العدد القليل] .تفسير السعدي - (ج 1 / ص 325)
وفي الظلال:
ويقف الفكر ليستعرض القوة التي لا راد لها، ولا معقب عليها - قوة الله القوي العزيز - وأمامها تلك القوة الضئيلة العاجزة الهزيلة - التي تتصدى لكتائب الله - فإذا الفرق شاسع، والبون بعيد. وإذا هي معركة مضمونة العاقبة، معروفة النهاية، مقررة المصير. . وهذا كله يتضمنه قوله تعالى:
(يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) . .
ومن ثم يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال - في سبيل الله - وقد تهيأت كل نفس، واستعد كل قلب وشد كل عصب، وتحفز كل عرق؛ وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) . .
حرضهم وهم لعدوهم وعدو الله كفء، وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء الله حولهم:
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا. .
فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجيء عجيب. ولكنه صادق عميق: (بأنهم قوم لا يفقهون) . .
فما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر ? ولكنها صلة حقيقية، وصلة قوية. . إن الفئة المؤمنة إنما تمتاز بأنها تعرف طريقها، وتفقه منهجها، وتدرك حقيقة وجودها وحقيقة غايتها. . إنها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية؛ فتفقه أن الألوهية لا بد أن تنفرد وتستعلي، وأن العبودية يجب أن تكون لله وحده بلا شريك. وتفقه أنها هي - الأمة المسلمة - المهتدية بهدى الله، المنطلقة في الأرض بإذن الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؛ وأنها هي المستخلفة عن الله في الأرض؛ الممكنة فيها لا لتستعلي هي تستمع؛ ولكن لتعلي كلمة الله وتجاهد في سبيل الله؛ ولتعمر الأرض بالحق؛ وتحكم بين الناس بالقسط؛ وتقيم في الأرض مملكة الله التي تقوم على العدل بين الناس. . وكل ذلك فقه يسكب في قلوب العصبة المسلمة النور والثقة والقوة واليقين؛ ويدفع بها إلى الجهاد في سبيل الله في قوة وفي طمأنينة للعاقبة تضاعف القوة. بينما أعداؤها (قوم لا يفقهون) . قلوبهم مغلقة، وبصائرهم مطموسة؛ وقوتهم كليلة عاجزة مهما تكن متفوقة ظاهرة. إنها قوة منقطعة معزولة عن الأصل الكبير!
وهذه النسبة. . واحد لعشرة. . هي الأصل في ميزان القوى بين المؤمنين الذين يفقهون والكافرين الذين لا يفقهون. . وحتى في أضعف حالات المسلمين الصابرين فإن هذه النسبة هي: واحد لاثنين:
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين. .