يا رسول الله: غبت عن أوّل قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع. فلمّا كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: «اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء» يعني أصحابه، «وأبرأ إليك ممّا صنع هؤلاء» يعني المشركين. ثمّ تقدّم فاستقبله سعد ابن معاذ، فقال: «يا سعد بن معاذ، الجنّة وربّ النّضر، إنّي أجد ريحها من دون أحد» . قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسّيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثّل به المشركون فما عرفه أحد إلّا أخته ببنانه. قال أنس: كنّا نرى أو نظنّ أنّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ... الآية) * «1» .
7-*(عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال:
فقعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جبا الرّكيّة «2» ، فإمّا دعا وإمّا بسق «3» فيها ... الحديث وفيه: فلمّا كشفوا جلدها رأوها غبارا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجّالتنا سلمة» . قال: ثمّ أعطاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سهمين: سهم الفارس وسهم الرّاجل.
فجمعهما لي جميعا. ثمّ أردفني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وراءه على العضباء «4» . راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدّا «5» قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلمّا سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا. إلّا أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمّي ذرني فلأسابق الرّجل. قال: «إن شئت» .
قال: قلت: أذهب إليه، وثنيت رجليّ فطفرت «6» فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «7» ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه «8» . قال فأصكّه بين كتفيه. قال قلت: قد سبقت والله. قال: أنا أظنّ «9» قال: فسبقته إلى المدينة ... الحديث)* «10» .
8-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:
كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم سهر، فلمّا قدم المدينة، قال: «ليت
(1) البخاري- الفتح 6 (2805) .
(2) جبا الركية: الجبا ما حول البئر، والركي البئر. والمشهور في اللغة ركى، بغير هاء، ووقع هنا الركية بالهاء، وهي لغة حكاها الأصمعي وغيره.
(3) وإمّا بسق: هكذا هو في النسخ: بسق، وهي صحيحة، يقال: بزق وبصق وبسق، ثلاث لغات بمعنى، والسين قليلة الاستعمال.
(4) العضباء: هو لقب ناقة النبي صلّى الله عليه وسلّم، والعضباء مشقوقة الأذن، ولم تكن ناقته صلّى الله عليه وسلّم كذلك، وإنما هو لقب لزمها.
(5) شدا: أي عدوا على الرجلين.
(6) فطفرت: أي وثبت وقفزت.
(7) فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي: معنى ربطت حبست نفسي عن الجري الشديد، والشرف ما ارتفع من الأرض، وقوله: أستبقي نفسي، أي لئلا يقطعني البهر.
(8) رفعت حتى ألحقه: أي أسرعت، قوله: حتى ألحقه. حتى، هنا، للتعليل بمعنى كي، وألحق منصوب بأن مضمرة بعدها.
(9) أظن: أي أظن ذلك، حذف مفعوله للعلم به.
(10) مسلم (1807) .