فهرس الكتاب

الصفحة 3167 من 6530

تدعو وهي تنزع «1» ، وقال عطاء والقرظيّ (محمّد بن كعب) :

صابروا الوعد الّذي وعدتم، أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج.

قال القرطبيّ- رحمه الله تعالى- والقول الأوّل (أي قول زيد بن أسلم) هو رأي الجمهور، ومثله قول عنترة:

فلم أر حيّا صابروا مثل صبرنا ... ولا كافحوا مثل الّذين نكافح

أي صابروا العدوّ في الحرب، ولم يبد منهم جبن ولا خور «2» .

وقال أبو حيّان: أمر الله تعالى بالصّبر والمصابرة والرّباط، فقيل اصبروا وصابروا بمعنى واحد للتّوكيد «3» ، ثمّ ذكر الآراء الأخرى الّتي ذكرها القرطبيّ «4» ، وذكر ابن كثير- رحمه الله تعالى- أنّ الصّبر على الصّلوات، والمصابرة على النّفس والهوى «5» .

قلت: ولا تنافي بين هذه الأقوال جميعا لأنّ الصّيغة تحتملها معا، وقد قرّر علماء الأصول «أنّ المعاني المحتملة (للّفظ أو الصّيغة) مرادة لله تعالى «6» .

من مظاهر المصابرة:

ذكر ابن القيّم وغيره للمصابرة صورا عديدة، وأشكالا متنوّعة، ذكرناها فيما سبق، ونضيف إليها:

1-المثابرة في إنجاز الأعمال والمواظبة عليها، طالما أنّ هذا العمل في طاعة الله تعالى، وفي هذا يلتقي معنى الاصطبار مع المصابرة، قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ (مريم/ 65) ، وقال تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها (طه/ 132) .

2-متابعة الأعمال وعدم اليأس من إنجازها لما في هذا من إدامة للصّبر عليها، وانتظار للفرج الموعود في قوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (الكهف/ 30) «7» .

الصبر على الابتلاء:

الابتلاء في اللّغة مصدر قولهم: ابتلى الله العبد ابتلاء إذا اختبره في صبره وشكره «8» .

أمّا في الاصطلاح فقد قال الكفويّ: الابتلاء في الأصل هو التّكليف بالأمر الشّاقّ لكنّه لمّا استلزم الاختبار إلى من يجهل العواقب ظنّ ترادفهما «9» ، وقال المناويّ: البلاء كالبليّة: الامتحان، وسمّي الغمّ بلاء لأنّه يبلي الجسم «10» . وقال بعض الباحثين المحدثين:

الابتلاء هو المظهر العمليّ لعلاقة العبوديّة بين الله والإنسان، ومعنى هذه العلاقة كمال الطّاعة لكمال المحبّة، والحياة الدّنيا هي الزّمن المقرّر لهذا الابتلاء، قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ (الملك/ 2) «11» . وينقسم الابتلاء إلى قسمين:

الأوّل: الابتلاء بالشّرّ، وهو مناط الصّبر.

الثّاني: الابتلاء بالخير، وهو مناط الشّكر «12» .

وفيما يتعلّق بالنّوع الأوّل، فإنّه يشمل الابتلاء

(1) يشير صاحب هذا الرأي إلى أن معنى المفاعلة هنا هو المداومة.

(2) تفسير القرطبي (4/ 322- 323) .

(3) وهو يشير هنا إلى أن الصيغة تفيد معنى التكثير والمبالغة.

(4) انظر تفسير البحر المحيط (3/ 156) .

(5) تفسير ابن كثير (1/ 454) .

(6) انظر في هذه القاعدة الأصولية الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (2/ 227) ، وانظر أيضا المبحث الخامس «المعاني المحتملة مرادة» من كتاب بحوث في علوم القرآن لعبد الغفور جعفر (205- 229) .

(7) قال في مختار الصحاح «المثابرة على الأمر: المواظبة عليه، انظر مادة «ث ب ر» (83) ط. دار الكتب المصرية.

(8) انظر في المعنى اللغوي للابتلاء: أحمد بن فارس، مقاييس اللغة (1/ 292) ، وقارن بالصحاح (6/ 2284) .

(9) معنى الترادف: هو أن يكون للابتلاء والاختبار المعنى نفسه.

(10) التوقيف على مهمات التعاريف (83) .

(11) ماجد الكيلاني، فلسفة التربية الإسلامية (163) .

(12) انظر صفة الشكر (2397) من هذا المجلد، وقارن بصفة «تكريم الإنسان» (// 1135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت