أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَدَامَ لَهُ الْعِزَّ فِي تَمَامٍ مِنَ النِّعْمَةِ، وَدَوَامٍ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَجَعَلَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مَوْصُولًا بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ وَلَا يَزُولُ، وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَأَلَنِي أَنْ أَضَعَ لَهُ كِتَابًا جَامِعًا يُعْمَلُ بِهِ فِي جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، ( وَالْعُشُورِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالْجَوَالِي ) ⁽١⁾، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ رَفْعَ الظُّلْمِ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالصَّلَاحَ لِأَمْرِهِمْ؛ فَوَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَدَّدَهُ، وَأَعَانَهُ عَلَى مَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ، وَسَلَّمَهُ مِمَّا يَخَافُ وَيَحْذَرُ. وَأَنْ⁽٢⁾ أُبَيِّنَ لَهُ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ مِمَّا يُرِيدُ الْعَمَلَ بِهِ، وَأُفَسِّرَهُ وَأَشْرَحَهُ. وَقَدْ فَسَّرْتُ ذَلِكَ وَشَرَحْتُهُ.
- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ - وَلَهُ الْحَمْدُ - قَدْ قَلَّدَكَ أَمْرًا عَظِيمًا، ثَوَابُهُ أَعْظَمُ الثَّوَابِ، وَعِقَابُهُ أَشَدُّ الْعِقَابِ؛ قَلَّدَكَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَأَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ وَأَنْتَ تَبْنِي لِخَلْقٍ كَثِيرٍ قَدِ اسْتَرْعَاكَهُمُ⁽٣⁾ اللَّهُ، وَائْتَمَنَكَ عَلَيْهمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ، وَوَلَّاكَ أَمْرَهُمْ، وَلَيْسَ يَثْبُتُ⁽٤⁾ الْبُنْيَانُ - إِذَا أُسِّسَ عَلَى غَيْرِ التَّقْوَى - أَنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَيَهْدَّهُ⁽٥⁾ عَلَى مَنْ بَنَاهُ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ؛ فَلَا تُضَيِّعَنَّ مَا قَلَّدَكَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الرَّعِيَّةِ⁽٦⁾؛ فَإِنَّ الْقُوَّةَ فِي الْعَمَلِ بِإِذْنِ اللَّهِ.
--------------------
(١) العشور، هي الرسوم التي تؤخذ على أموال وعروض التجارة، التي يمر بها أصحابها على ثغور الإسلام. والصدقات: جمع صدقة، وهي ما أعطيته في ذات الله للفقراء. والمراد بها هنا الصدقة الواجبة وهي الزكاة. والجوالي: جمع جالية، والجالية في الأصل: الذين جلوا عن أوطانهم، ثم أريد بها الجزية، فقيل: استعمل فلان على الجالية، أي: على جزية أهل الذمة. وهو المراد هنا.
(٢) في غير ( أ، ب ) : « وطلب أن » .
(٣) في ( أ ) : « قد استرعاك لهم » .
(٤) في غير ( أ، ب ) : « يلبث » .
(٥) في غير ( ب ) : « فَيَهْدِمَه » .
(٦) في هامش ( أ ) : « الأمة » بدل « الرعية » .