وَالشَّفَةُ عِنْدَنَا: الشُّرْبُ لِبَنِي آدَمَ وَالبَهَائِمِ وَالنَّعَمِ وَالدَّوَابِّ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ السَّقْيَ لِلأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلا بِإِذْنِهِ؛ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ بَاعَهُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ البَيْعُ وَلَمْ يَحِلَّ لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي؛ لأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَغَرَرٌ لا يُعْرَفُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي مَصْنَعَةٍ⁽١⁾ يَجْتَمِعُ فِيهِ المَاءُ مِنَ السُّيُولِ؛ فَلا خَيْرَ فِي بَيْعِهِ أَيْضًا، وَلَوْ سَمَّى لَهُ كَيْلًا مَعْلُومًا أَوْ عَدَدَ أَيَّامٍ مَعْلُومًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِلْحَدِيثِ⁽٢⁾ الَّذِي جَاءَ فِي ذَلِكَ وَالسُّنَّةِ.
وَلا بَأْسَ بِبَيْعِ المَاءِ إِذَا كَانَ فِي الأَوْعِيَةِ، هَذَا ( مَاءٌ قَدْ أُحْرِزَ ) ⁽٣⁾؛ فَإِذَا أَحْرَزَهُ فِي وِعَائِهِ فَلا بَأْسَ بِبَيْعِهِ. وَإِنْ هَيَّأَ لَهُ مَصْنَعَةً فَاسْتَقَى فِيهَا بِأَوْعِيَةٍ حَتَّى جَمَعَ فِيهَا مَاءً كَثِيرًا، ثُمَّ بَاعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلا بَأْسَ إِذَا وَقَعَ فِي الأَوْعِيَةِ؛ فَقَدْ أَحْرَزَهُ، وَقَدْ طَابَ بَيْعُهُ؛ فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَجْتَمِعُ مِنَ السُّيُولِ فَلا خَيْرَ فِي بَيْعِهِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ يَزْدَادُ وَيَكْثُرُ أَوْ لا يَزْدَادُ وَلا يَكْثُرُ؛ فَلا خَيْرَ فِي بَيْعِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزِ البَيْعُ. وَمَنِ اسْتَقَى مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مَا طَابَ لِلَّذِي يَسْتَقِيهِ حَتَّى يَسْتَطِيبَ نَفْسَ صَاحِبِهِ، أَلا تَرَى أَنَّهُ لا يَطِيبُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مَاءً مِنْ سِقَاءِ صَاحِبِهِ إِلا بِإِذْنِهِ وَطِيبِ نَفْسِهِ، إِلا أَنْ يَكُونَ حَالَ ضَرُورَةٍ يَخَافُ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ. وَلَيْسَ لِصَاحِبِ العَيْنِ وَالقَنَاةِ وَالبِئْرِ وَالنَّهْرِ أَنْ يَمْنَعَ المَاءَ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الحَدِيثِ وَالآثَارِ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ سَقْيَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ وَالكُرُومِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِئْ فِيهِ، وَهَذَا يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ؛ فَأَمَّا الحَيَوَانُ وَالمَوَاشِي [٣٢/ أ] وَالإِبِلُ وَالدَّوَابُّ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ أَلا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا صَرَفَ نَهْرَ رَجُلٍ إِلَى أَرْضِهِ فَاخْتَصَمَا
--------------------
(١) المصنعة: واحد المصانع، وهي أحباس تتخذ للماء.
(٢) روى ابن ماجه بإسناده إلى إياس بن عبد المزني أنه قال: « لا تبيعوا الماء. فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يباع الماء ». انظر: كتاب الرهون، باب النهي عن بيع الماء ( ص ٨٢٨ ) .
(٣) ليس في ( أ ) .