وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ - يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ - مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَكَيْفَ تُرِكَتْ لَهُمُ البِيَعُ وَالكَنَائِسُ فِي المُدُنِ وَالأَمْصَارِ حِينَ افْتَتَحَ المُسْلِمُونَ البُلْدَانَ وَلَمْ تُهْدَمْ، وَكَيْفَ تُرِكُوا يَخْرُجُونَ بِالصُّلْبَانِ فِي أَيَّامِ عِيدِهِمْ. فَإِنَّمَا كَانَ الصُّلْحُ جَرَى بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَدَاءِ الجِزْيَةِ، وَفُتِحَتِ المُدُنُ عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ بِيَعُهُمْ وَلَا كَنَائِسُهُمْ دَاخِلَ المَدِينَةِ وَلَا خَارِجَهَا، وَعَلَى أَنْ يَحْقِنُوا لَهُمْ دِمَاءَهُمْ، وَعَلَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَيَذُبُّوا عَنْهُمْ ( وَعَلَى أَنْ يُخْرِجُوا الصُّلْبَانَ فِي أَيَّامِ عِيدِهِمْ )⁽١⁾. فَأَدَّوُا الجِزْيَةَ إِلَيْهِمْ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ، وَجَرَى الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ عَلَيْهِ وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، عَلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِنَاءَ بِيَعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ، فَافْتُتِحَتِ الشَّامُ كُلُّهَا وَالجَزِيرَةُ⁽٢⁾ إِلَّا أَقَلَّهَا عَلَى هَذَا؛ فَلِذَلِكَ تُرِكَتِ البِيَعُ وَالكَنَائِسُ وَلَمْ تُهْدَمْ. ٣٠٩ - قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، عَنْ مَكْحُولٍ الشَّامِيِّ: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الجَرَّاحِ صَالَحَهُمْ بِالشَّامِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ حِينَ دَخَلَهَا عَلَى أَنْ يَتْرُكَ كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِنَاءَ بِيَعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ، وَعَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ إِرْشَادَ الضَّالِّ وَبِنَاءَ القَنَاطِرِ عَلَى الأَنْهَارِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَعَلَى أَنْ يُضِيفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى أَنْ لَا يَشْتِمُوا مُسْلِمًا وَلَا يَضْرِبُوهُ، وَلَا يَرْفَعُوا فِي نَادِي أَهْلِ الإِسْلَامِ صَلِيبًا، وَلَا يُخْرِجُوا خِنْزِيرًا مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى أَفْنِيَةِ المُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُوقِدُوا النِّيرَانَ لِلْغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَدُلُّوا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا يَضْرِبُوا نَوَاقِيسَهُمْ قَبْلَ أَذَانِ المُسْلِمِينَ، وَلَا فِي أَوْقَاتِ أَذَانِهِمْ، وَلَا يُخْرِجُوا الرَّايَاتِ فِي يَوْمِ عِيدٍ⁽٣⁾، وَلَا يَلْبَسُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدِهِمْ، وَلَا يَتَّخِذُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ؛ فَإِنْ فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا عُوقِبُوا وَأُخِذَ مِنْهُمْ؛ فَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ. فَقَالُوا لِأَبِي عُبَيْدَةَ: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنَ السَّنَةِ نُخْرِجُ فِيهِ صُلْبَانَنَا بِلَا رَايَاتٍ، وَهُوَ يَوْمُ عِيدِنَا الأَكْبَرِ؛ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ وَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا ( مِنْ أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ بِمَا شُرِطَ
--------------------
(١) عن ( أ، ب ) .
(٢) في ( ز، ط ) : « والحيرة » .
(٣) كذا في ( أ، ب ) . وفي غيرهما: « عيدهم » . وقد أضيف هذا الضمير « هم » إلى صلب ( ب ) .