(٣٢)
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَأَمَّا المُرْتَدُّ عَنِ الإِسْلَامِ إِلَى الكُفْرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى اسْتِتَابَتَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ وَقَدْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الإِسْلَامَ، وَكَذَلِكَ اليَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالمَجُوسِيُّ يُسْلِمُ، ثُمَّ يَرْتَدُّ؛ فَيَعُودُ إِلَى دِينِهِ الَّذِي كَانَ خَرَجَ مِنْهُ، وَكُلٌّ قَدْ رَوَى فِي ذَلِكَ آثَارًا وَاحْتَجَّ بِهَا. ٤٣٩ - فَمَنْ رَأَى أَنْ لَا يُسْتَتَابَ، فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ⁽١⁾. ٤٤٠ - وَمَنْ رَأَى أَنْ يُسْتَتَابَ فَيَحْتَجُّ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَإِذَا قَالُوهَا حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» ⁽٢⁾. وَيَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمْ. وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وهو⁽٣⁾ المُرْتَدُّ الَّذِي قَدْ رَجَعَ (عَنِ الإِسْلَامِ) ⁽٤⁾، لَيْسَ بِمُقِيمٍ عَلَى التَّبْدِيلِ، وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ: مَنْ أَقَامَ عَلَى تَبْدِيلِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ دَمَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَالَهُ، وَهَذَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَكَيْفَ أَقْتُلُهُ، وَقَدْ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهِ؟، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأُسَامَةَ: «يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؛ فَقَالَ أُسَامَةُ: إِنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السَّلَاحِ، فَقَالَ: «فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟» ؛ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ مُطْلَقًا لَهُ بِتَوَهُّمِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السَّلَاحِ.
--------------------
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد (٧ / ٧٥) . والاستتابة (٩ / ١٩) . وبذل المجهود (١٧ / ٢٨٥) . والنسائي، كتاب تحريم الدم (٧ / ١٠٤) . وابن ماجه، كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه (ص ٨٤٨) . وتحفة الأحوذي، أبواب الحدود، باب ما جاء في المرتد (٥ / ٢٤) .
(٢) أخرجه في كتاب الإيمان. انظر: البخاري، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة (١ / ١٣) . ومسلم، في باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (١ / ٣٨ - ٤٠) . وانظر أيضًا الأموال لأبي عبيد.
(٣) في (ز، ط) : «وهذا المرتد» . والمثبت نص (أ) . ويبدو أنه قد كان كذلك في (ب) ثم عدل إلى: «وهذا .. » .
(٤) في غير (أ) : «إلى الإسلام» .