قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: الإِحْيَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِ الإِمَامِ. أَرَأَيْتَ رَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَخْتَارَ مَوْضِعًا وَاحِدًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ، أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِهِ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُحْيِيَ أَرْضًا مَيْتَةً بِفِنَاءِ رَجُلٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تُحْيِهَا فَإِنَّهَا بِفِنَائِي؛ وَذَلِكَ يَضُرُّنِي. فَإِنَّمَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذْنَ الإِمَامِ هَا هُنَا فَصْلًا بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِذَا أَذِنَ الإِمَامُ لِإِنْسَانٍ فِي ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يُحْيِيَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الإِذْنُ جَائِزًا مُسْتَقِيمًا. وَإِذَا مَنَعَ الإِمَامُ أَحَدًا كَانَ ذَلِكَ المَنْعُ جَائِزًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ التَّشَاحُّ فِي المَوْضِعِ الوَاحِدِ وَلَا الضِّرَارُ فِيهِ مَعَ إِذْنِ الإِمَامِ وَمَنْعِهِ.
وَلَيْسَ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ( بِرَدٍّ لِلأَثَرِ ) ⁽١⁾ وَإِنَّمَا رَدُّ الأَثَرِ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ أَحْيَاهَا بِإِذْنِ الإِمَامِ فَلَيْسَتْ لَهُ؛ فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: هِيَ لَهُ، فَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلأَثَرِ وَلَكِنْ بِإِذْنِ الإِمَامِ؛ لِيَكُونَ إِذْنُهُ فَصْلًا فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ خُصُومَاتِهِمْ وَإِضْرَارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَأَمَّا أَنَا فَأَرَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا لِأَحَدٍ فِيهِ خُصُومَةٌ أَنَّ إِذْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَائِزٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَإِذَا جَاءَ الضَّرَرُ؛ فَهُوَ عَلَى الحَدِيثِ: « وَلَيْسَ لِعِرْقٍ⁽٢⁾ ظَالِمٍ حَقٌّ ».
١٥٦ - حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ⁽٣⁾ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ » ⁽٤⁾.
١٥٧ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ قَالَ ] : « مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ » .
--------------------
(١) في ( ز، ط ) : « يرد الأثر » .
(٢) قال هشام بن عروة: « العرق الظالم: أن يغرس الرجل في أرض غيره، فيستحقها بذلك » . وقال الإمام مالك: « كل ما أخذ واحتفر وغرس بغير حق » . انظر: بذل المجهود، كتاب الخراج، باب إحياء الموات ( ١٤ / ٣١، ٣٢ ) . وقد أخرجه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت من حديث طويل. انظر: المسند ( ٥ / ٣٢٧ ) .
(٣) ليست في ( ب ) .
(٤) أخرجه أبو داود والترمذي من طريق هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد. انظر: بذل المجهود، كتاب الخراج، باب إحياء الموات ( ١٤ / ٢٦، ٢٧ ) . وأخرجه الترمذي في أبواب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات. انظر: تحفة الأحوذي ( ٤ / ٦٣٠، ٦٣١ ) . ورواه يحيى بن آدم في الخراج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه: « قال هشام » العرق الظالم: « أن يأتي ملك غيره فيحفر فيه » . انظر ( ص ٨٢ ) .