الصَّغَارِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِيهِمْ؛ فَاقْبَلْ مِنْهُمُ الصُّلْحَ وَأَعْطِهِمْ إِيَّاهُ، عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الطَّاقَةَ، فَإِنْ أَيْسَرُوا أَوْ أَعْسَرُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، ثُمَّ لَكَ شَرْطُكَ⁽١⁾ وَلَمْ يَبْطُلْ. فَقَبِلَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَتَبَ إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ؛ فَلَمَّا أَتَى عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ الْكِتَابُ أَعْلَمَهُمْ مَا جَاءَ فِيهِ. فَاخْتُلِفَ عَلَيَّ⁽٢⁾ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَقَالَ قَائِلٌ: قَبِلُوا⁽٣⁾ الصُّلْحَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ. وَقَالَ آخَرُ: أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَعَلِمُوا أَنَّ فِي أَيْدِيهِمْ أَمْوَالًا وَفُضُولًا تَذْهَبُ إِنْ أَخَذُوا بِالطَّاقَةِ، وَأَبَوْا إِلَّا شَيْئًا مُسَمًّى. فَلَمَّا رَأَى عِيَاضٌ إِبَاءَهُمْ وَحَصَانَةَ مَدِينَتِهِمْ وَآيِسَ مِنْ فَتْحِهَا عَنْوَةً صَالَحَهُمْ عَلَى مَا سَأَلُوا فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، إِلَّا أَنَّ الصُّلْحَ قَدْ وَقَعَ وَفُتِحَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ سَارَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ إِلَى حَرَّانَ، أَوْ بَعَثَ، وَكَانَتْ أَقْرَبَ الْمَدَائِنِ إِلَيْهِ فَأَغْلَقَهَا أَهْلُهَا مِنَ الْأَنْبَاطِ وَنَفَرٍ يَسِيرٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا بِهَا دُونَهُ؛ فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا أَعْطَى أَهْلَ الرُّهَا؛ فَلَمَّا رَأَوْا مَدِينَةَ مَلِكِهِمْ قَدْ فُتِحَتْ أَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ أَجْمَعُونَ. فَأَمَّا الْقُرَى [١٥/ أ] وَالرَّسَاتِيقُ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُدَعْ وَلَمْ يَمْتَنِعْ؛ إِلَّا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ كُورَةٍ كَانُوا إِذَا فُتِحَتْ مَدِينَتُهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ أُسْوَةُ⁽٤⁾ أَهْلِ مَدِينَتِنَا وَرُؤَسَائِنَا. وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ عِيَاضًا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ وَلَا أَبَاهُ عَلَيْهِمْ. فَأَمَّا مَنْ وَلِيَ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ فَتْحِهَا فَإِنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ أُسْوَةَ أَهْلِ الْمَدَائِنِ إِلَّا فِي أَرْزَاقِ الْجُنْدِ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهَا عَلَيْهِمْ دُونَ أَهْلِ الْمَدَائِنِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ - مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِذَلِكَ -: إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ أَصْحَابُ الْأَرَضِينَ وَالزَّرْعِ وَالدَّوَابِّ⁽٥⁾، وَأَنَّ أَهْلَ الْمَدَائِنِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحُجَّةِ
--------------------
(١) في (أ) : «شرط» .
(٢) المتحدث هو الشيخ الجزري الذي كتب هذا الكتاب إلى أبي يوسف.
(٣) في (أ) : «اقبلوا» .
(٤) أي: نحن نكون على الحال التي عليها أهل مدينتنا، وفي هامش (ب) : «يعني نلتزم بما التزموا به» .
(٥) عن (ب) .