أخبر بشعابها» [1] . وقد فتح أبو الفتح بابا وهو مجازنا إلى طرق التحقيق، فلو كان صاحب التدريب حيّا لقال له: «أوضحت لنا الطريق» فلم يبق للناس اعتماد إلا على هذه العمدة، فإنها قعدت لناظمها وتأخر ابن حجّة عن ذي القعده، فقال: [من البسيط]
يا عمدة الحج يا ذات المناسك قد ... تقبّل الله في ذا [2] السعي مسعاك
وصار ذكراك لي نسكا وتذكرة ... فكيف أسلوك يا حجي وأنساك
ثبت شرف علمها وأعيان العلماء بذلك تشهد، وكيف لا ونسبتها في العلم الشريف إلى الشافعي محمد، فهي يتيمة العصر ولكن لها وليّ يطلب الكفاءة من الخاطب، وما تصفحت سواد سطورها في بياض طروسها إلا قلت: «إن في الليل والنهار عجائب» ، فلو أدركه من تأدب من العلماء وتقدم، لصلّى متنسّكا خلف هذه الإمامة ورفع الخلاف وسلم، ولو رأى السبكي هذا النسك [3] لقال: «ما لابن الصائغ في ميناء هذا البحر نزول» ، أو ابن الوردي لحقق [4] ذهاب بهجته عند هذا الروض الذي هو بغمام العلم مطلول، وكان الأرّجاني يقول: «إن كنت أفقه الشعراء فهذا أشعر الفقهاء ونسيبه القرشي له نسب» . ولو عاصره ابن الوكيل وتأمل بسط قوله لقال متأدّبا: «وعند بسط الموالي يحفظ الأدب» ، ولو وقف ابن الصاحب على هذا الديوان لودّ أن يكون له فيه نظر، وقال:
«هذا الفقيه الذي لم يدرك شأوه من العلماء إلا من تفقه وشعر» ، ولو أدركه شيخ الشيوخ الأنصاري لكان لمحمد من الأنصار وهاجر إلى هذه الغرائب، أو القاضي الفاضل لحكم بفضله وسجّل حكمه العماد الكاتب، ولقد سمعتها من الناظم، نظم الله به شمل الفضل، فحصل لي سماع يطرب الجماد، وأجازني بها قبل مديحه [5] وهذا هو الكرم الذي لم يصل غاية سبقه جواد. والله تعالى يزيد صياغة هذا السبك بهجة على كل ناظم، ويجعله لأعماله المقبولة من أحسن الخواتم.
بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى [6]
(1) قول مأثور عند العرب.
(2) ذا: ها: ذاك طب: ذي.
(3) النسك: ق، ها، قا: السبك.
(4) كذا في الأصل.
(5) مديحه: طب، تو، ها، بر، قا: تأريخه.
(6) أسقط ناسخ مخطوطة ق (محمد بن حسن النواجي) النصوص القادمة حتى افتتاح رقم 44من المجموعة.