القوس بعرك أذنيه فلم يحرّك بعدها لسانه، وقالت سهامه عند رؤية مصر: «الحمد لله على القرار في الكنانة» ، هذا والفرسان المؤيدية قد هذّبها تكرار النصر فلم يظهر في أعطافه مرح، بل تناسب ما أثّلته من المجد فكأنه ما مر لها في خاطر ولا سنح، ولا تنكر لأبناء أبي النصر سعادة هذا الجد وإبدار هذا الكمال، فلو لم نشاهد منهم ذلك عيانا لكنا نشك في خبر من قال: [من البسيط]
لا يحدث النصر في أعطافهم مرحا ... حتى كأنهم بالنصر ما شعروا
وكم أسقفوا [1] بأعواد عوالينا بيوت المعامع [2] ، فقالت الأعداء والسقف المرفوع:
{إِنَّ عَذََابَ رَبِّكَ لَوََاقِعٌ} [3] . وكم خطبوا عروس الحرب وقد جليت تحت العصائب، فبذلوا لها النفوس، ومدّوا ألفات رماحهم ولم يرضوا لها من الترويسات بغير الرؤوس.
ولقد بان شغف النصر في حسن شمائلهم عند القتال، وكلما شاهد حربهم تمتّع منهم بلذة الوصال. وكم أشهروا صواعق سيوفنا ولمع برقها وأرعد فأخفت كل صوت، والأعداء يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت. وفي مشاهدة الجناب من مبتدأ أفعالهم ما يغنيه من الخبر، فإنه أول من طرب لجسّ [4] عيدانهم في ذلك المغني على تحريك الوتر، وعاين ما أودعوه بألسنة رماحهم من الأسرار الخفية في الصدور، وقد كسفت شموس البيض وخسفت من الطوارق هالات تلك البدور، ولقد شاركوا الجناب [5] في إخلاص الطاعة لما علموا أنها عليهم من الفرض، وحسمت مادة الذين ينقضون [6] عهد الله من ميثاقهم ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، ولقد رأينا ألوفا ساعة كسرهم وخلق عمود السيف الأصابع لذهاب نفوسهم، * وشاركوا نوروز في كسره فأمسى باب زويلة مقياسا لرؤوسهم * [7] ، فاهتز عود الفرح لهذا الهناء، وحرك به لسانه وشدا، وأخرس الأمن عود الحرب وسل
(1) أسقفوا: تو، ها: استفتوا.
(2) المعامع: بر، قا: المطامع.
(3) سورة الطور 52/ 7.
(4) لجس: تو: بجس.
(5) الجناب: طب: الجنان.
(6) ينقضون: تو، بر: ينقصون.
(7) ما بين النجمتين ساقط من طب.