صدرت هذه المكاتبة تشرح له أن دوحة صدرنا الشريف فقدت ثمرة الفؤاد، اشتغل الناس بزيادة الدمع من زيادة البحر وكلّ من البحرين طما وزاد.
وتبدي لعلمه الكريم فقد المقرّ الأشرف الصارمي، روى الله من غيث الرحمة ثراه، وسقى نباته الحسن ورعاه. فيا له من رزء حثا الترب في وجه البدور وذلك الأثر ما زال. وغارت الشمس من عناق الترب له فمدت إلى تلقّيه تلك الحبال [1] . ويا لها من ثمرة ذقنا بعد التفكّه بحلاوتها مرارة النوى، ويا له من غصن قلنا إن فيه الخلف فذوى، ويا له من نجم رمنا أن نصافح به كفّ الخضيب فهوى. ويا له من عزم فلّته يد المنية وكان هو والسيف على حدّ [2] سوى. وقد وجدنا في ندبة التهامي هنا فائده، إذ التورية فيها لحكاية الحال مساعده، وهي: [من الكامل]
إني وترت بصارم ذي رونق ... أعددته لطلابة [3] الأوتار
يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذا تكون كواكب الأسحار
فكأنّ قلبي قبره وكأنه ... في طيّه سرّ من الأسرار
* جاورت أعدائي وجاور ربّه ... شتّان بين جواره وجواري * [4]
وأما الرياض الصارمية فلفقدها نثر الورد كفوفه على الشوك وشق أكمامه، وقطع البان عذباته، وأغمد [5] البرق في غيوم الحزن حسامه، وقال أخوه الروض لما فقد خده الشريق [6] : «والله ليس لي بعده شقيق» . وهامت عوارض الريحان إلى النبات على وجنات تربته، وأقسم نسيم الصّبا لا يمرّ بريّا القرنفل إلا على أكناف بقعته، وعضّ المنثور على الأصابع وبكته عيون النرجس من الطلّ بدموع. وأشار النيل بأصابعه إلى وداعه فقد تغير لونه وخفقت من أمواجه الضلوع، ومزّقت الورق عليه من الأسف مدبج أطواقها، وأملت [7] فنون الحزن من أوراقها، وقلعت العربيات عيونها النعلية ومشت حافية على
(1) الحبال: طب: الخبال.
(2) حد: طب: يد.
(3) لطلابة: ها: لطلايه.
(4) ما بين النجمتين ساقط من ها.
(5) أغمد: تو، قا: أعمد.
(6) الشريق: ها: الشريف.
(7) أملت: ها: أسبلت.