أصدرناها إلى المقرّ وقد حمّلناها سلاما يجمع له [1] بين الرضى والتسليم، وطيب ثناء لم يتضوّع عندنا لغيره ولكن سمحنا ببعضه للنسيم.
وتبدي لكريم علمه ورود البشرى في كتابه الكريم الذي لم يحتج صدق لسان قلمه إلى برهان. ورأينا برق طروسه غير خلّب فقلنا لمن شكّ في صحته: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ} [2] ، وكيف لا وصحيح حديث المقرّ ما برح مسلسلا مع الرواه، وقد تحققنا أن تلك النفس الخبيثة ماتت عند سوق أرغون شاه، فلا رحم الله هاتيك الروح التي طغى عليها طوفان الانتقام ولا عاصم، وكاد [3] سرور سيوفنا لا يفي بندامتها على تركه في عمره المتقادم. ولما كفر هو وشياطينه نعمنا القديمة وما شكروا، سأل رجوعنا عن المقرّ السليماني فقلنا: {وَمََا كَفَرَ سُلَيْمََانُ وَلََكِنَّ الشَّيََاطِينَ كَفَرُوا} [4] . ولما ثبت كفرهم وضلّوا عن الهدى في ظلمات الضلال، أعددنا لهم سيوفا ما برحت على بعد المدى متّصلة بقطع الآجال، {وَرَدَّ اللََّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنََالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللََّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتََالَ} [5] ، وقصم هو وفريقه قصما ما خفي عن المقرّ أن سيف الانتقام له مشهور، وتلا لهم لسان الحال: {ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِمََا كَفَرُوا وَهَلْ نُجََازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [6] ، وكم اعتذر عن كفر قومه وسأل الهدى مع زيادة طغيانهم. وقلنا لهم:
{كَيْفَ يَهْدِي اللََّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ} [7] ، {وَمِنَ النََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [8] . وأشرنا بزواجر هذه الآية الشريفة إليهم، وتحتّم علينا قوله تعالى: {قََاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [9] . وأردنا نعلمه في هذه المدّة أن لسان السيف إذا كلّم كان أصدق من الكتب في الإنباء، فعاجلته يد المنية وسحبته في سجن الهاوية سحبا. وظهر السرّ السليماني في هذا المارد وشياطينه، وجلس
(1) له: تو، ها: لنا.
(2) سورة النمل 27/ 30.
(3) كاد: تو، ها: كان.
(4) سورة البقرة 2/ 102.
(5) سورة الأحزاب 33/ 25.
(6) سورة سبأ 34/ 17.
(7) سورة آل عمران 3/ 86.
(8) سورة البقرة 2/ 8.
(9) سورة التوبة 9/ 14.