ولمّا كان المجلس العالي القضائي البدري حسن بن نجم الدين أدام الله تعالى نعمته هو فارسها الذي ما اعتقل رمح قلمه إلا أغنى عن السمهرية وألسنتها الحداد، فإنه القلم الذي صانه الباري من الدنس وهو أبلغ من خطب على منابر الطروس بشعار السواد، وأدار قهوة الإنشاء قديما، فإنشاء البلغاء على يد كل مدير، وما برح نظر الجيش ممتدا إليه إلى أن أشرقت ليالي سطوره بهذا البدر المنير، اقتضت آراؤنا الشريفة أن نزيل بعقله الجوهري ما حصل في هذه الوظيفة من الأعراض، ونطلق فيها سهم رأيه الصائب لنصل بها إلى الأغراض، فإنه صحب ديوان الإنشاء فوثق بصحابته ورأيه الصائب، وصدق المحبة لا ينكر له فإنه صاحب وابن صاحب.
فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الصالحي لا زالت بدور الكمال مشرقة في أيامه، وكلما أطلع فيها بدرا اعترف الناس بكماله وتمامه
أن يستقر المشار إليه في وظيفة نظر الجيش المنصور [1] بدمشق المحروسة لنرى من يقظته في مهماتنا الشريفة جيشا ثانيا، وقطفا من ثمار التأييد بحسن بصيرته دانيا. فإن خوافق الرايات تسكن عند صواب رأيه الرشيد، ونظمه في المربعات يفوق على تخميس كل قصيد، وإن ذكر الكرم والكتابة فإجماع الناس على أنه عين الكرام الكاتبين، وإذا رفع إليه حساب ما يجاري في سرعة فهمه فإنه ملحوظ من أسرع الحاسبين. وكأنّا بالربوة وقد غنّت على جنكها فرحة بعودها المرقص والمطرب. وحركت عيدانها على تلك الدفوف ونفخ النسيم في شبّابة يزيد فأتحفت بالنفس الطيب. وقويت قلوب العساكر الشامية فرحة بقدومه وعلما بإقدامه، وقال كل جبّان: «حرام عليّ أكل الخبز بالجبن في أيامه» ، وعلم صاحب كل خبز أنه يصل إلى الخاصّ بعلامته، وتجندت قلوب العساكر على محبّته، وصار لها يوم العرض طول بطوله وشهامته، وقرأ باب النصر في أوّل الفتح وصار مطلعا لهذا البدر وكان غيم الوحشة قد أخفاه، وقالت دار السعادة وقد أبدر في أفقها: «ربي وربك الله» .
فليباشر ذلك فإنّ الله قد خصّه بحسن النظر وحسن البصيره، وهو البدر الذي يغني كماله أن نقول له والوصايا كثيرة، ولم يخالف بالبلاد الشامية في تمام هذا البدر أحد من الناس، وقالت مصر لمن قاسه بغيره: «بيني وبينك المقياس»
(1) الجيش المنصور: قا: الجيوش.