وأمّا المُصَنِّفُ ، فإنهُ قالَ: ثمَّ يخطبُ الإمامُ بعدَ الظهرِ بمنىً ، ويُعَلّم الناسَ النَّحرَ ، والرَّمْيَ ، والإفاضَةَ ، ثمَّ يُفيضُ إلى مكّةَ ، ودليلُهُ ما رواهُ الإمامُ أحمدُ ، وأبو داود بإسْنادٍ جيِّدٍ عن عائشةَ:"أنَّ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أفاضَ من آخرِ يومِهِ حينَ صلّى الظهرَ ، ثمَّ رجَعَ فمَكَثَ بِمنىً لياليَ أيام ِ التشريقِ" (65) ، وحينَئِذٍ يَقْوى الإشْكالُ أيضًا في الجمْع ِ بينَ هذهِ الأدِلّةِ .
تقدَّمَ حديثُ عائشةَ:"أَنّ أُمَّ سلَمَةَ رَمَتْ قبلَ الفجرِ ، ثمَّ مَضتْ فأَفاضَتْ" (66) ، اسْتُدِلَّ بهِ على أَنَّ أَوَّلَ وقتِ الإفاضَةِ بعدَ نصفِ الّليل ِ من لَيْلَةِ النّحْرِ ، وفيهِ نظَرٌ ، والأَولى أَن يكونَ يومَ النّحْرِ لفعله عليهِ السلامُ ، فإن أخَّرَهُ عنهُ ، فقدْ روَتْ أُمُّ سَلَمةَ ، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:"إنّ هذا يومٌ رُخِّصَ فيه لكُمْ إذا أَنتُمْ رَمَيْتُمُ الجمْرةَ ، أن تَحِلّوا من كُلِّ ما حَرَمْتُم منهُ إلا النّساءَ ، فإذا أَمْسَيتُمْ قبلَ أن تَطوفوا بهذا البيتِ صِرْتُم حُرُمًا كهَيْئتِكُم قبلَ أن تَرْموا الجمْرةَ حتّى تَطوفوا به" (67) ، رواهُ أحمدُ ، وأبو داود .
ففيهِ دلالةٌ على أنهُ وإن أخَّرَهُ عن يوم ِ النّحرِ ، ثمّ فعلَهُ أنّهُ يَقعُ المَوْقعَ . وقد يُسْتَدَلُّ بهِ على أنّ الحلْقَ ليسَ بنُسُكٍ ، وأنّ التَّحلُّلَ الأوّلَ لا يتَوَقَّفُ عليهِ ، وأنّهُ يَحِلُّ بالأَوّل ِ ممّا سِوى النِّساءِ .
فأَمّا القولُ بصَيرورَةِ مَن لمْ يَطُفْ يومَ النّحرِ مُحْرِمًا من كلِّ شيءٍ ، فما علمتُ قالَ بهِ أَحَدٌ ، واللهُ أعلمُ .
وعن عائشةَ ، قالَتْ:"كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قبلَ أن يُحرِمَ ، ويَوْمَ النّحرِ قبلَ أن يَطوفَ بالبيتِ بطيبٍ فيهِ مِسْكٌ" (68) ، أخرجاهُ .
(65) رواه أحمد (الفتح الرباني 12 / 217) وأبو داود (1 / 456) وفيه عندهما ابن اسحق وقد عنعنه .
(66) تقدم .
(67) رواه أحمد (الفتح الرباني 12 / 202) وأبو داود (1 / 461) وكلمة (به) آخر الحديث ساقطة من الأصل وهي ثابتة عند أبي داود .
(68) رواه البخاري (9 / 157) ومسلم (4 / 10) .