وذلكَ من فضلِ اللهِ ورحمتِهِ على الناس ولكن أكثرَهمْ لا يَعلمون .
وكانَ من هؤلاءِ العلماءِ الأعلامِ الذين تعهَّدَ اللهُ بهم دينَهُ وأمّتَهُ الإمامُ الكبيرُ الشيخُ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ: إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ يوسفَ الفيروزأبادي وهي قريةٌ من قرى فارسٍ ، وقيلَ: هي مدينةُ خُوارزم ، شيخُ الشافعّيةِ ومُدَرّسُ النظامّيةِ ببغداد كما وَرَدَ في البداية والنهاية للشارحِ الإمام ابن كَثير رحمهُ اللهُ ( 12 / 124 ) ، تفقّهَ على أبي عبداللهِ البَيْضاوِيِّ بفارس ، ثُمَّ قَدِمَ بغدادَ عامَ خمسَ عشرةَ وأربعمائةٍ ، فَتَفَقّهَ على القاضي أبي الطيِّب الطّبَريِّ ، وسمعَ الحديثَ من ابن شاذان والبَرقانيِّ وكان زاهدًا عابِدًا وَرِعًا كبيرَ القدر مُعَظَّمًا مُحترمًا ، إمامًا في الفقهِ والأصولِ والحديثِ وفنونٍ كثيرةٍ ، ولَهُ المُصَنَّفاتُ الكثيرةُ النافعةُ ، كيف لا ؟ ، وهو صاحبُ المُهَذَّبِ في المَذْهب ، وكتابِ التنبيهِ هذا ، ولهُ أيضًا كتابُ النُّكتِ في الخلافِ واللمعِ في أصولِ الفقهِ ، وكتابُ التبصرةِ ، وطبقاتُ الشافعيةِ وغير ذلك ، ولو لمْ يكنْ له إلا كتابُ المهذّبِ أو التنبيهِ لكفاهُ فضلًا وعلَمًا ، حيث أصبحَ عَلمًا عليهِ حتى قيلَ لهُ: صاحبُ المهذَّبِ أو التنبيهِ ، وذلك لما أولاه العلماءُ من بعدهِ من اهتمام ٍ وتقديرٍ لهما ، يتجلّى ذلكَ في كثرةِ وجلالة من تَناولَهما بالشرحِ والتعليقِ ، وبيانِ أهميتها لا سّيما في المذهب الشافعيِّ الذي اعتُبِرَتْ فيهِ كأساسٍ للبنيانِ الفقْهيِّ فيهِ ، فقد شرحَ المهذّبَ الإمامُ المُحدِّثُ الورعُ النواويُّ رحمهُ اللهُ ولمْ يتمَّهُ بَلْ وصلَ فيهِ إلى الحجِّ أو الرّبا ثمَّ أتمَّهُ العلماءُ من بعدِهِ وسمّاه ( المجموعَ ) وهو من أجلِّ الكتبِ وأنفعِها في الفقهِ والحديثِ والأصولِ ، وقد وصفَهُ الإمامُ ابنُ كثيرٍ في البدايةِ والنهايةِ ( 13 / 289 ) بقولِه: وممّا لم يُتمّهُ ولو كمُلَ لم يكنْ لَهُ نظيرٌ في بابهِ: شرحُ المهذَّبِ الذي سماهُ ( المجموعَ ) وصَلَ فيهِ إلى كتاب الرِّبا ، فأبدَعَ فيهِ وأجادَ وأفادَ وأحسنَ الانتقادَ ، وحرَّرَ الفقهَ فيهِ في المذهبِ وغيرِهِ ، وحرَّرَ الحديثَ على ما ينبغي وغير ذلكَ ولا أعرفُ في كتبِ الفقهِ أحسنَ منهُ . انتهى كلامهُ .
قلتُ: وأما كتابُنا الذي نحنُ بصدد التنويهِ بهِ والتعريفِ وبيانِ أهميتهِ وفضلِهِ ، فقد كانَ لهُ من الشُّهرةِ والمنزلةِ عندَ العلماءِ نظيرُ ما كان للمهذَّبِ أو قد يزيدُ عليهِ ، فقد كانَ الطلبةُ من أهلِ العلمِ وكبارِ العلماءِ يحفظونَهُ عن ظهرِ قلبٍ في بدايةِ حياتهم