فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 381

فإن قلت: قد أجزتم التجوز باسم الشيء عن ضده، فلو سمي المعلوم مجهولا، وبالعكس، كان ذلك مجازا في الأسماء العامة، وقد أنكرتموه.

قلت: ما ذكرناه من التجوز باسم الشيء عن ضده صحيح، لكن قد ذكرنا أن التجاوز لا يطرد، فلا يلزم ما ذكرت.

وفي هذا الجواب نظر بناء على المختار في البحث بعده.

الثالث: متى وجدت أركان المجاز، وهي: اللفظان، والعلاقة، جاز إطلاقه، واستعماله من غير افتقار إلى نقله عن أهل اللسان على أظهر القولين فيه، كالقياس، والاشتقاق، وقد سبق هذا البحث.

الرابع: قد اشتهر غلبة بعض المجازات على حقائقها، يعني: أنها صارت أبلغ في الإفهام، وأسبق إلى الأفهام، نحو قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [1] إذ هو أبلغ وأظهر وأخص من انتشر لتضمنه تشبيه الليل بالجسد الكثيف المظلم، والصبح بظهور النفس اللطيف المشرق لصدوره عن النفس المشرقة عقلا، وأيضا تشبيه انتشار الصبح شيئا فشيئا بظهور النفس كذلك.

واعلم أنه إنما يعدل إلى المجاز للاتساع والتشبيه والتوكيد [2] ، نحو: {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} [3] فاتسع بزيادة الرحمة في أسماء الجهات وشبهها بالمظروفات وأكد بتصييره ما لا يدرك حسا، مدركا به، كقول القائل «لو تشخص المعروف لرأيتموه حسنا» «ولو تشخص المنكر لرأيتموه قبيحا» فمتى عدمت هذه الأوصاف تعينت الحقيقة لأصالتها، وعدم الفائدة في العدول عنها.

الخامس: إذا كثر المجاز لحق بالحقيقة في اشتهاره، حتى تخفى حاله، فلا يظهر إلا

(1) سورة التكوير آية 18والآية التي قبلها: «واللّيل إذا عسعس» .

(2) في الأصل: يعدل إلى المجاز للاتساع أو التشبيه أو التوكيد وهو خطأ، إذ لا بد من استيفاء هذه المعاني الثلاثة. انظر الخصائص لابن جني 2/ 442.

(3) سورة الأنبياء آية 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت