الشاطبي [1] قد نظم التفسير وزاد عليه كثيرا، وقصيدته جزء يسير من التفسير، وإنما يختلف باختلاف قوة الناظم والناثر وتمكنهما في صناعتهما.
الثاني: أن ما ذكره يقتضي أن النظم أصعب، وقد سبقت دعواه لخلافه، وهذا تهافت.
الرابع: أن النثر لا يقوله إلا من حصل آلاته المعتبرة، المقدم ذكرها، والنظم قد يقوله السوقة والعامة ممن لا أنس له بذلك.
وجوابه: أن المقابلة هنا ليست بين كلام فضلاء البلغاء، وشعراء السوقة، فإنه هذيان في الغالب، بل بينه وبين شعر فضلاء الشعراء، كأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، وشعر هؤلاء وأمثالهم لا يحصل إلا بعد تحصيل آلات النثر، وما يختص به النظم.
ولئن سلمنا وجود شعر صحيح من عاميّ، على وجه الندرة، فهو دليل على أفضلية النظم، وأن النفوس إليه أميل، والطباع له أوثق، ولهذا اختص من التأثير في النفوس، مما ليس للنثر، ولا يقدح هذا في دعوانا، أنه أصعب من النثر، لما بينا من أن صرف العناية إلى الشيء تسهله جدا.
الخامس: أن الناثر تعلو درجته حتى ليبلغ منصب الوزارة، وذلك دليل أفضلية صناعته ونفاقها [2] والشاعر لا يفارق رتبة الشحاذين الطالبين لما في أيدي الناس، وذلك دليل مفضولية صناعته وكسادها، واستغناء الناس عنها.
وجوابه من وجوه:
أحدها: منع هذا التفاوت بينهما مطلقا فإن منشأ الشعر وينبوعه، إنما هم العرب وأكثر أهله كانوا ملوكا وعظماء، وأكابر، ورؤساء، كامرئ القيس، وعمرو
(1) هو القاسم بن فيّرة الشاطبي الضرير، وفيرة معناها حديد، كان إماما فاضلا في النحو والقراءات والتفسير والحديث، صنف القصيدة المشهورة في القراءات، ت 590هـ. البغية 2602.
(2) نفقت التجارة: راجت.