لعله إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عني أو تنبه لي
الرابع: قوله: الناثر يصير وزيرا، والناظم لا ينفك شحاذا، إن عنى به أن ذلك لازم مطرد، فهو باطل إذ كم رأينا من تأثير شحاذ، لا وزير، ولا كاتب.
وإن عنى به: أنه قد وقد [1] ، فلا فرق إذ يستويان في ذلك.
وإن عنى الطالب ما ذكره، فقد سبق جوابه، وسيأتي.
الخامس: أن نفاق الصنعة قد يكون للضرورة إليها، دون غيرها، لكن ذلك لا يدل على أفضليتها ألا ترى أن الأبنية المشيدة، المزوقة، الموضوعة على أصول الهندسة، لا ضرورة بالناس إليها، وهم إلى اللبن والطين أميل، واستعمالهم له أكثر، وهو فيه أنفق، ومع ذلك، فإذا حصل البناء المزوّق، المشيد، المحكم، كان في النفوس أنفس لكونه أرفق بالميت، وثمنه أغلى، وأكثر، وأهل البناء فيه أرغب، فكذلك النثر مع النظم، وقد يكون للقصور عن غيره، مع تطلع النفس إليه، كمن يأكل البصل لعدم قدرته على العسل، ويركب الحمار لعدم الفرس، فهذا يدل على مفضولية النافق لا أفضليته.
وقد حكى عن ابن المقرب البحراني [2] ، وكان من فحول الشعراء المتأخرين «أنه قصد رجلا ليمدحه، فبعث إليه الرجل المقصود في بعض الطريق بشيء يسير، وناشده الله، والرحم أن يرجع عنه معتذرا بأني لا أجد سعة أكافئ بها مدحك، ولا أرضى أن تفد علي، وترجع بما لا يكافئك» ، فهذا قد رغب عن شعر هذا الشاعر، لفضيلته، وشدة الرغبة فيه، على تقدير مكافأته.
وقد صنّف في فضائل الشعر كتب.
(1) «قد وقد» يعني: أن الناظم قد يكون شحاذا، وقد يصير وزيرا، وكذلك الناثر.
(2) سبقت ترجمته ص 125من هذا الكتاب.