فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 381

وإذا فرغ من إنشاء كلامه، اشتغل بتنقيح ألفاظه، وترصيف معانيه، من تقديم مؤخر، وتأخير مقدّم، وتبديل ثقيل بأخف، وأخذ بأثقل ليحصل التلاؤم والتعادل، وليجعل كأن معترضا يعترض على كلامه ويناقشه، فيورد الأسئلة على نفسه، ويجيب عنها بما يستقر عليه جوابه.

وأما بيان الطريق إلى معرفة التأليف فأجودها وأحراها بالوصول أن يدرب المنشئ نفسه على النظر في أنواع علم العربية: نحوا ولغة وتصريفا، وفي أشعار العرب وخطبهم ومواقع كلامهم، وفيما أنشأه المتأخرون من نظم ونثر في علم المعاني والبيان، حتى تصير لنفسه بذلك ملكة وقوة، فإذا ساعده مع ذلك ذهن وقّاد، وقريحة مجيبة، حصل حسن الإنشاء فوق غرضه، وهذه هي طريقة الفحول، كمن أراد بناء حائط، فأعدّ له من اللبن والآجرّ والطين، ووضعه بحسن صناعته وضعا محكما.

* * * ثم يتحدث عن الحقيقة والمجاز:

فالحقيقة أصل والمجاز فرع، إلا أن بعض المجازات قد اشتهرت غلبتها على حقائقها وصارت أبلغ في الإفهام وأسبق إلى الإفهام.

وإذا كثر المجاز لحق بالحقيقة في اشتهاره حتى تخفى حاله، فلا يظهر إلا بنظر دقيق، ولهذا كان أكثر اللغة عند بعض العلماء مجازا، ويتوهّم أنه حقيقة، وإن كان الطوافي ينكر ذلك ولا يأخذ به.

ونراه أيضا يعترض على ابن الأثير حين يزعم زيادة الحروف في القرآن لغير فائدة، ضاربا المثل بقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (آل عمران 159) ، أي فبرحمة، و (ما) زائدة لا معنى لها، فيعقب على ابن الأثير بقوله:

وهذا وهم قبيح فإن فائدة «ما» هاهنا تعديل أجزاء الكلام والتسوية بين صدر الآية وعجزها، وقد منع النحاة والأصوليون أن يكون في القرآن زائد لا معنى له، وهو حق، وكل ما توهمت زيادته منه، ففائدته ما ذكرناه من تعديل العبارة. وكما يعرض الطوفي لزيادة الألفاظ في القرآن، يعرض كذلك للنقصان الذي لا يخلّ بمعنى الكلام

كإقامة الصفة مقام الموصوف كما في قوله تعالى: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} (النساء 112) ، أي إنسانا بريئا. وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} (القمر 13) ، أي سفينة ذات ألواح ودسر، وإقامة الصفة مقام الموصوف مطرد عند الفارسيّ، ممتنع عند سيبويه، فلا يجوز أن نقول: جاءني طويل، أي: رجل طويل لاحتمال أن يكون الموصوف شيئا غير الرجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت