فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 381

وهذا وهم قبيح فإن فائدة «ما» هاهنا تعديل أجزاء الكلام والتسوية بين صدر الآية وعجزها، وقد منع النحاة والأصوليون أن يكون في القرآن زائد لا معنى له، وهو حق، وكل ما توهمت زيادته منه، ففائدته ما ذكرناه من تعديل العبارة. وكما يعرض الطوفي لزيادة الألفاظ في القرآن، يعرض كذلك للنقصان الذي لا يخلّ بمعنى الكلام

كإقامة الصفة مقام الموصوف كما في قوله تعالى: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} (النساء 112) ، أي إنسانا بريئا. وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} (القمر 13) ، أي سفينة ذات ألواح ودسر، وإقامة الصفة مقام الموصوف مطرد عند الفارسيّ، ممتنع عند سيبويه، فلا يجوز أن نقول: جاءني طويل، أي: رجل طويل لاحتمال أن يكون الموصوف شيئا غير الرجل.

الألفاظ: ثم ينتقل الطوفي إلى الألفاظ المفردة والمركبة، والصفات التي تستحق بها رتبة الحسن والجودة.

أما المفردة فصفاتها التي تستحق بها الحسن كثيرة منها:

تباعد مخارج الحروف، وليس معنى هذا بالضرورة أن يكون المتباعد مستلزما للحسن، والمتقارب مستلزما للرداءة، بل الغالب على الأول الجودة وعلى الثاني الرداءة. فالجيم والشين والياء متقاربة المخارج، ويتركب منها «جيش وشجي» وهما لفظان رائقان جيدان.

أن تكون مألوفة قد صقلتها الألسن، وأنست بها الأسماع والقلوب، غير وحشية ولا مستوعرة، ولهذا لم يكن في القرآن العزيز شيء من الوحشيّ.

والحق أن الكلمة في ذاتها ليست وحشية ولا مألوفة، وإنما العبرة بكثرة دورانها على الألسن، فالعرب الأقدمون كانوا يستعملون ألفاظا لا يفهمها من أهل زماننا إلا من برع في اللغة، ولو استعملها أحد المحدثين الآن لاعتبر متكلفا، وعدّ منه قبيحا، على الرغم من أنه كان يعتبر عند الأقدمين فصيحا حسنا رائقا. وألا تكون مبتذلة بين العامة، وأن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا وهو الثلاثي إذ الحرف الواحد لا يفيد، والحرفان إجحاف، وليسا بمكان من العذوبة، والرباعي والخماسي ثقيلان، ولهذا كانت أكثر ألفاظ الكتاب العزيز ثلاثية، والرباعي فيه قليل، ولا خماسيّ فيه أصلا، إلا ما كان اسم نبيّ نحو إبراهيم وإسماعيل، وهي أعجمية لا عربية.

أما المركبة سواء أكانت جملة واحدة أم كانت جملا متعددة، فلا بدّ فيها من

الامتزاج وارتباط بعضها ببعض، وارتباطها بما قبلها وما بعدها من الجمل لأن الأجزاء كلما كانت أشد ارتباطا، كانت أدخل في الفصاحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت