أما المركبة سواء أكانت جملة واحدة أم كانت جملا متعددة، فلا بدّ فيها من
الامتزاج وارتباط بعضها ببعض، وارتباطها بما قبلها وما بعدها من الجمل لأن الأجزاء كلما كانت أشد ارتباطا، كانت أدخل في الفصاحة.
وبدون هذا الارتباط والامتزاج والتناسب يكون الكلام كتركيب جسم من نوعين:
كرأس إنسان على يدي فرس، أو كجسم معضل الأعضاء مقطع الأجزاء.
ولا بدّ من وضع كل لفظ في موضعه اللائق به إذ بدون ذلك يصبح مضطربا متناثرا كعقد جعلت كل قطعة منه في غير موضعها، فإن ذلك يشينه وإن كان ثمينا في نفسه.
المعاني: والمعاني قسمان: قسم يستعيره المتكلم ممن سبقه، وقسم يخترعه هو عند حادث متجدد أو أمر طارئ. وفي كلتا الحالتين يجب عليه الاعتناء من إبداع المعاني الشريفة الألفاظ الأنيقة اللطيفة، والمعاني أشرف من الألفاظ، لأنها هي المقصودة بالذات.
ولأن المتكلمين يستوون في معرفة الألفاظ، ويتفاوتون في رتبة البيان، وما ذلك إلا لتفاوتهم في المعاني.
ولأن مقصود البلاغة لا يستخرج إلا بالتدبر والروية، ويكون ذلك بتوليد المعاني وليس باستخراج الألفاظ، وإنما العناية باللفظ من توابع العناية بالمعنى، كما أن العناية بالوعاء إنما هي في الحقيقة عناية بما في داخله وصيانة له عن التغير والفساد.
وربما اقتصر قوم على تنميق الألفاظ وتزويقها، وأهملوا المعاني، وزعموا أن العرب تصنع ذلك، فاتخذوا منهم أسوة، وكم من شاعر تقرأ له قصيدة تطربك بألفاظها وحسنها ورونقها، فإذا فتشت وراء الألفاظ لم تجد تحتها إلا معنى مألوفا أو مبتذلا.
والجواب: أننا لا نسلم أن العرب راعت اللفظ وأهملت المعنى، وإنما هذا كلام من لم يدرك مغزى كلامهم، كيف وزهير بن أبي سلمى كان لا ينشر قصيدة حتى يمضي بعد إتمامها سنة فيوضح معانيها ويهذب ألفاظها؟.
على أننا نحب أن ننبّه الأذهان إلى شيء له أهمية: