والحق أن هذا مجاز، وليس استعارة إذ لا تشبيه فيه.
السادس: الاستعارة نوعان:
جيد يجب استعماله، وتوخيه ما أمكن.
ورديء يجب اجتنابه ما أمكن.
أما الأول: وهو ما اشتد الامتزاج والتناسب والتشابه فيه بين المستعار له، والمستعار منه. ومنه قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [1] فإن المناسبة بين ابيضاض الرأس بالشيب، واشتعال النار في الحطب شديدة، من جهة سرعة الالتهاب والانتشار شيئا فشيئا، وإحالة ما انتشر فيه عن صفته قبل ذلك، وتعذر التلافي، وعظم الألم، وتعقب الجمود والخفوت.
وقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [2] فإن انفصال الليل عن النهار، لما كان شيئا فشيئا تدريجيا، وكانت هوادي الصبح عند طلوعه كالملتحمة بأعجاز الليل، استعار لذلك لفظ السلخ الدال على تفاصل المتلاحمين شيئا فشيئا، كما في جلد الحيوان المسلوخ، وهذه الاستعارة في أعلى المراتب في بابها.
ومما دونها في الطبقة قول أبي تمام [3] :
ومعرّس للغيث تخفق بينه ... رايات كلّ دجنّة وطفاء
فاستعار لفظ المعرّس وهو موضع التعريس لموضع وقوع الغيث، ولفظ خفوق الراية وهو اضطرابها لهبوب السحابة عند همولها وانصبابها، لا سيما الوطفاء: وهي القريبة من الأرض، ولفظ الراية لهدب السحابة: وهو المتدلّي منها،
(1) سورة مريم 4.
(2) سورة يس آية 37.
(3) من قصيدة يمدح بها محمد بن حسان الضبي ومطلعها:
قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي
ديوان 1/ 22والتعريس النزول في آخر الليل