فتطير المعتصم من ذلك، وتغامز الحاضرون على إسحاق، وتعجبوا كيف فاته ذلك، مع معرفته وطول خدمته للملوك، ويقال: إنهم لما فصلوا عن ذلك المجلس لم يعد إليه منهم اثنان، بل خرج المعتصم إلى «سرّ من رأى» وخرب القصر. وقد كان اللائق بإسحاق أن يقول كما قال الخريمي [1] :
ألا يا دار دام لك السرور ... وساعدك النضارة والحبور
أو كما قال أشجع [2] :
قصر عليه تحية وسلام ... ألقت عليه جمالها الأيام
أو كما قال ابن التعاويذي:
أحق دار وأولى أن نهيئها ... دار على السعد قد شيدت مبانيها
وهذا أحسن الافتتاحات في هذا المعنى.
وقد أنكر ابن الأثير [3] على ذي الرمة [4] افتتاحه قصيدته البائية بقوله:
ما بال عينك منها الماء ينسكب؟
قال: لأن مقابلة الممدوح بمثل ذلك قبيح، وهذا وهم لأن هذه القصيدة ليس فيها مدح أحد، وإنما تضمنت شرح حاله في عشقه مية، ونحو ذلك، فهي كقول امرئ القيس:
قفا نبك [5]
(1) هو أبو يعقوب إسحاق بن حسان، عرف بالخريمي لأنه كان متصلا بخريم بن عامر المري، وله مدائح في يحيى بن خالد بن برمك تاريخ بغداد 6/ 336والأغاني 3/ 196
(2) هو أشجع السلميّ، من بني سليم، اتصل بالبرامكة ومدحهم ومدح الرشيد والبيت مطلع قصيدة يمدح فيها الرشيد. الشعر والشعراء 373، طبقات الشعراء 117
(3) الجامع الكبير 188
(4) هو أبو الحارث غيلان بن عقبة المضري، أكثر شعره في بكاء الأطلال والتشبيب توفي سنة 117هـ.
وفيات الأعيان 2/ 440.
(5) والبيت مطلع معلقته، وتمامه.
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول وحومل