ولا يشترط الاطراد في الاشتقاق، فلا يلزم تسمية الحجر حديدا لأن فيها معنى المنع، ولا الجمل ضيغما لأن فيه معنى الضغم وهو: العضّ الشديد لأن شرطه الاتفاق في الحروف الأصول، وليست متفقة فيما ذكر وشبهه.
وأيضا فاستناده إلى وجوه المعنى مع استعمال العرب له في محله، فهو بمنزلة العلة المركبة، لا تؤثر بدون جميع أجزائها، بخلاف العلة، فإن استناد تأثيرها إلى مجرد وجودها، فيدور الحكم معها وجودا وعدما.
وأما الثاني: وهو الكبير، فهو رد التراكيب المختلفة من لفظ واحد إلى معنى واحد، ثم ذلك الرد قد يكون ظاهرا، وقد يكون خفيا يحتاج إلى تأويل وتلطف.
واعلم أن الفعل، إما ثلاثي أو رباعي. فالثلاثي: تراكيبه الممكنة تسعة لأن كل واحد من حروفه، إما أن يجعل فاء أو عينا أو لاما، وثلاثة في ثلاثة تسعة، مثاله:
«ض ر ب، ر ض ب، ب ر ض، ر ب ض، ب ر ض، ض ب ر، ب ض ر، ض ب ر، ر ض ب» سقط منها بالتكرار ثلاثة وهي «ب ر ض، ر ض ب، ض ب ر» .
بقي ستة راجعة كلها إلى معنى الضرب، وهو حركة يتعقبها استقرار لأن الضارب يحرك جارحته ليضرب، ثم يتعقب بذلك الحركة استقرار المضروب به على المضروب.
أما «ضرب» فذلك فيه ظاهر.
وأما «رضب» فقد بين معناه من الرضاب وهو ماء الفم، فإنه يتحرك بتحرك الفم واللسان، ويسكن لسكونهما. وبالجملة توجد فيه الحركة والاستقرار.
وأما «برض» فالبرض: الماء القليل، وفيه الحركة والسكون وتبرضت الماء تبرضا، أي شربته امتصاصا، والمعنى فيه ظاهر.
وأما «ربض» فلأن الربض سكون عقب حركة، كالغنم تأوي من المراعي إلى المربض، وكذلك «أسد رابض» .
وأما «ضبر» فيقال «ضبر الفرس» إذا جمع يديه، ووثب، والحركة والسكون فيه ظاهران، لكن السكون فيه عقلا لا حسا، لتواتر الحركة وتلاحقها.