فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 197

وخلاصة هذا الجمع بين كلام الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في التحذير من الرواية عن المبتدع وبين مروياتهم عنهم، وذلك أنه إن تمكن إنسان من الأخذ عن المبتدع من غير رفعه، ومن غير التأثر ببدعته، ولا تكثير سواده عند الناس، ولا خدع العامة في ذلك أن ذلك سائغ؛ ولهذا وجد عند الإمام أحمد عليه رحمة الله، وهو ممن حذر في الرواية عن المبتدعة، جملة من الشيوخ من المرجئة، وله من رجاله أيضًا ممن يوصف بالقدر، وبشيء من الاعتزال، وبشيء من النصب، ووجد هذا في صحيحي البخاري و مسلم في بعض صنوف الابتداع كالتشيع، وبعض عقائد الخوارج ونحو ذلك، فدل على أن الأئمة عليهم رحمة الله لا يريدون ذلك بالإطلاق، وإنما يريدون ذلك بنحو هذه التقييدات.

وعليه يعلم أن إبراز المبتدعة في المجالس، وإظهارهم في وسائل الإعلام مظهر القدوة أن هذا من لوازم أشراط الساعة، وهذا من لوازم ما جاء هنا في هذا الخبر في قوله: (أن يطلب العلم عند الأصاغر) ، وهم أهل البدع أو أهل الرأي، وهذا دليل على شيوعه. ومن أسباب الشيوع إظهار هؤلاء في موضع القدوة الحسنة ونحو ذلك، وهذا مما ينبغي أن يحذر منه؛ لأن الابتداع في الدين هو أعظم وأشد عند الله سبحانه وتعالى من المعاصي والذنوب؛ وذلك أن المعاصي يفعلها الإنسان من الوقوع في الفواحش، وأكل مال الغير، وهذه يدفعها شهوات، ويقر الإنسان بنفسه أنه فعل ذلك لشهوة، ويستغفر ويتوب، أو يطمع في إعادة الحقوق إلى أهلها، ولا يستطيع أن يقرر ذلك عند الناس، بخلاف الأمور التي هي لها صله في الدين، وبالأخص العقائد ممن يطوف على القبور، أو يجوز التوسل بالموتى، وسؤالهم من دون الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه أمر خطير إن لم يكن من الشرك المحض في بعض الصور فهو من وسائله المفضية إلى الكفر والخروج من الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت