الحال الثانية: أن يقصد الإنسان المغنم بذاته كحال الأجراء، وهذا محرم ولا يجوز، وهذا ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام (أن من أول من تسعر بهم النار ثلاثة: ومنهم رجل قاتل في سبيل الله حتى يقال أنه جري) ، وهذا من أخطر الأمور التي بين الشارع حالها، وهذا يختم له ما كان عليه. وقد جاء في بعض الأخبار وفيها ضعف أن (الجهاد في سبيل الله في آخر الزمان يكون أجرة) ، يعني: يدفع للإنسان مال حتى يقاتل في سبيل الله. وفي هذا مجموعة من المسائل: منها أنه لا حرج على المسلمين وعلى ولي الأمر إذا لم يستطع فتح الثغور وأن يجاهد في سبيل الله إلا بدفع الأجرة، ومن خبثت نيته أنه لا حرج عليه في تحقيق المقصد والأجر، والدليل على هذا ما جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر) ، وهذا ظاهر إذا تحقق أمر الدين ولو بإزهاق نفس الفاجر، فإن هذا من المقاصد المحمودة إذا لم تصحح نية الناس، ولكن لا يقال: إن المؤمن يدفع له المال فتفسد نيته حتى يصلح أمر الإسلام لفساد نيته، يقال: إن الشريعة جاءت لإصلاح الأفراد، وجاءت لإصلاح المجتمعات وإصلاح، فينبغي أن يحافظ على ذلك المؤمن، لكن إذا لم يتحقق ذلك إلا على هذا النحو فإنه لا حرج عليه.
وفي هذا إشارة إلى أن المسلمين يتصالحون ويتعاهدون مع بني الأصفر، فيقاتلون عدوًا دونهم، وقد جاء هذا في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، مما يدل على جواز المصالحة مع المشركين لقتال عدوهم، ولو كان مشتركًا من جهة العداوة بين المسلمين الكفر، وهذا أمر جائز، يشير إلى هذه المسألة التي تقدم الإشارة إليها، ثم يكون الغدر بعد ذلك، يكون في بداية الأمر صلحًا، ثم يقاتلون عدوًا دوننا، يعني: دون الروم بيننا وبينهم، الله أعلم بحاله، وفسره كثير من العلماء بجملة من الاجتهادات التي لا دليل عليها، ولا ينبغي أن يتعلق الإنسان بها.